دعوة بالعودة للأصولية الناصرية (3)
دروس في الوحدة ومن أجل الوحدة ـ ج2
حسين الربيعي
فيما يعتبر الدكتور نسيبة أن جذور القومية العربية ممتدة إلى ما قبل الأسلام ( باسل الكبيسي ـ حركة القوميين العرب ) ، فقد لاحظ المثقفون القوميين أن هناك أتجاهين في الحركة القومية يمكن تسميتهما بـ :
الأتجاه القومي الوطني .
الأتجاه القومي العربي .. أو الأتجاه القومي قومي .
ومع الأقرار بالتلازم بين فكرة القومية العربية والوحدة العربية ، أعتماداً على بداياتها الأولى في العصر الحديث على يد الرعيل الأول ، فقد ( كانت كتابات ساطع الحصري مفيدة في شرح وتنفيذ مفهوم القومية العربية ـ باسل الكبيسي ـ نفس المصدر السابق ) ففسرها على أنه ( أنصهار الفرد في الأمة إلى درجة التضحية بالحرية الفردية ـ نفس المصدر السابق ) . وأعتماداً على نفس مقولات الحصري ( بأعتبارها نموذجاً ) في ( رفض كل أشكال القوميات القطرية في العالم العربي ـ نفس المصدر ) ، فإن الأتجاه القومي الوطني لايتوافق مع المفهوم القومي الوحدوي ، وهو المنطق الذي لايمكن قبوله من القوميين العرب وبالتالي فإن السكوت على مواقفه جريمة ضد الوحدة العربية ، حيث تبين من مجريات الأحداث أن كثيراً من الذين رفعوا أسم الوحدة هدفاً .. كانوا أكثر الذين تأمروا عليها .
فدعوة القومية العربية في أهم أجزائها ، دعوة للوحدة العربية ، ونضالٌ من أجلها ، ضد تشتيت الأمة وتفرقها .. وضد تخلفها الذي أورثته تلك التشققات والتجزئة . ففيما تميز القوميون العرب الوحدويين ، الذين أختاروا الخط الناصري .. تمسكهم بالوحدة العربية عن غيرهم من القوميين ووجدوا ( في الوحدة قوة ـ نفس المصدر ) ، تعارضوا مع البعثيين الذين لم يستجيبوا لهذا الموقف في ( جعل قضية الوحدة الهدف الأول لنضال الجماهير ـ نفس المصدر )، وقد تبين بوضوح موقفهم هذا وبشكل عملي في عجزهم ( البعثيين ) من أبرام عقد للوحدة بين قطرين شقيقين متجاورين ، تقع سلطاتهما تحت نفوذ حزب البعث في الفترة التي أفشل فيها البعث محاولة الوحدة الثلاثية في 1963 ، ولافي الفترة الزمنية الطويلة بين 1968 ـ 2003 ، بل أن الأمر لم ينحسر عند هذا الحد ، فقد بلغت درجة العداء بين جناحي الحزب والنظامين ، لأكثر من العداء بين نظاميين متعارضين ، وتم خلالها تصفية (الرفاق البعثيين) من الذين يملكون حساً وحدوياً .
ولقد أصبح واضحاً القصور الفكري والعملي لدى دعاة الوحدة العربية الذين كانت ولاتزال طموحاتهم تنصب في مضمار منافسة زعامة عبد الناصر المؤكدة للوحدة العربية ممارسة وفكراً ( وعلى الرغم من ذلك فإن الممارسة العملية لحزب البعث كانت تتناقض مع الفكر والمبادئ النظرية ، فالذهنية القطرية في الممارسة تغلبت على الذهنية الوحدوية القومية ، والنهج الشمولي الذي لايعترف بالأخر والرأي الأخر حل محل النهج الديمقراطي الذي يعتبر الحرية الفردية والجماعية حقاً للمواطن والمواطنين ، كما أن نظرية الحزب القائد وهيمنته على الدولة والمجتمع لاتتفق مع الحرية وتجعل الحزب القائد والنظام بديلاً للشعب ونظرية الجيش العقائدي لاتنسجم مع بناء جيش وطني محترف ـ حسن عبد العظيم ـ التيار القومي ـ الواقع والأفاق المستقبلية )
هنا تتضح أصالة الدعوة الوحدوية الناصرية ، في كونها تجربة قومية ـ قومية ، على العكس من التجارب القومية الأخرى في الوطن العربي ، ومع ذلك ظلت هذه الدعوة وتجربتها الوحيدة في التأريخ العربي تتعرض للتشريح ، والتجريح حتى من المحتمين بخيمتها ، فقد تعددت نواحي اللوم .. منها من أتهمها بالتعجيل في أبرام مشروعها الوحدوي ، ومنها من لامها في التأخير لدعوتها القومية والوحدوية ، والواقع أن هناك شعرة صغيرة بين اللائمين ، تدعوا في البحث عن ( أنتكاسات الثورة وأخطائها ) .. فيما تصور البعض أنه يحاكم حدثاً في وقته وقد مضى عليه ما يقارب العقود الأربع ، غير مدركاً للتحولات نوعاً وكماً .
الوحدة والديمقراطية
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
هناك كلام كثير يقال في الوحدة والديمقراطية : ( الطريق إلى الوحدة العربية يبدأ من الديمقراطية ، فلا وحدة ولا اتحاد قابلين للأستمرار والبقاء إذا لم يؤسسا على إرادة الأغلبية من الشعب الممثلة له بطريق الأنتخابات الحرة النزيهة ـ د . ممدوح خسارة ـ التحولات في الفكر القومي ـ الوحدوي الثقافي )
هذا الكلام في عموميته صحيحاً ، ولكن في تطبيقاته على أرض الواقع الحي هو غير ذلك ، وأسبابه متعددة وهي في صلب الديمقراطية وتطبيقاتها ، ففي لبنان مثلاً ، هناك تجربة ديمقراطية ، ولاحقاً في العراق ، والأنتخابات هي أداتها .. نزيهة أو غير نزيهة .. حرة أو غير حرة ، لأن درجة حريتها ونزاهتها تدخلنا في أشكاليات الجهة التي تحكم في ذلك ، وهذا يقع ضمن معايير ومصالح تلك الجهات ، هذا أولاً ، أنما على العموم أن التجربتين مارستا نفس آلية الأنتخابات . ولكن هذه الأنتخابات في كلا التجربتين قادتا لمزيد من التمزق ( الطائفي والديني ) ، وقطعتا الطريق على (الغالبية الوحدوية ) وفتحت الطريق أمام القوى التي لم تكتفي بالتشتيت القومي ، بل هي لاتخاف أن تظهر العداء للوحدة الوطنية !!
إذاً علينا أن نسمي الأشياء بأسمائها الصحيحة ، ونقول أن الديمقراطية التي تضمن حقوق الأمة في وحدتها هي ليست هذه الأشكال من الديمقراطية ، ذلك لأن هدفنا الأساس هو المواطن العربي من الأجيال الجديدة التي تقع على رأسه يومياً ألاف الأطنان من ( الكيمياء السياسية ) المعادية ، محضرة في أحسن مختبرات العالم . وهذا دون شك يجعلنا مرة أخرى نبحث عن (ديمقراطية سليمة ) فهل هناك ديمقراطية وحدوية ؟ يقول المفكر القومي منح الصلح في مقالٍ له : ( أن هويات الأقطار العربية ، تعالجها ديمقراطية ذات منطق وطني قومي ) .
وحينما نتصور مثلاً أن “الديمقراطية السليمة ” لها ( قصورها عن عدم الوفاء بوعودها .. من أنها تنفذ منها أكثر العوامل والقوى السياسية المضادة للثورة ـ جمال الأتاسي ـ إطلالة على التجربة الثورية لجمال عبد الناصر ) فإن تلك القوى كانت أكثر فشلاً ( اذا حسبنا التجربة الناصرية فاشلة في هذا المجال وعدم الأتفاق في تصاعدية الثورة بالأنجاز الديمقراطي ) في المجيء بتجربة ناضجة ” للديمقراطية” .. كانت أفضل أو على الأقل بنفس المستوى في مجال المردودات الحقيقية للجماهير من التجربة الناصرية .
وقد جاء في مجالات التشكيك المتعمد للقومية العربية ودعوتها الوحدوية بأن ” الأنظمة العربية التي حكمت بأسم القومية العربية سلبت الأنسان حريته السياسية والمدنية بحجة تحرير الأرض العربية ـ ممدوح خسارة ، نفس المصدر” فالتجربة تحكم بما لايقبل الشك .. أن الديمقراطية السياسية لايمارسها بشكلٍ طبيعي أنس















