دعوة بالعودة للاصولية الناصرية 3

تشرين الثاني 3rd, 2008 كتبها التيار العربي نشر في , دراسات

       دعوة بالعودة للأصولية الناصرية (3)

                      دروس في الوحدة ومن أجل الوحدة ـ ج2

                       

                                                                                 حسين الربيعي

فيما يعتبر الدكتور نسيبة أن جذور القومية العربية ممتدة إلى ما قبل الأسلام ( باسل الكبيسي ـ حركة القوميين العرب ) ، فقد لاحظ المثقفون القوميين أن هناك أتجاهين في الحركة القومية يمكن تسميتهما بـ :

الأتجاه القومي الوطني .

الأتجاه القومي العربي .. أو الأتجاه القومي قومي .

ومع الأقرار بالتلازم بين فكرة القومية العربية والوحدة العربية ، أعتماداً على بداياتها الأولى في العصر الحديث على يد الرعيل الأول ، فقد ( كانت كتابات ساطع الحصري مفيدة في شرح وتنفيذ مفهوم القومية العربية ـ باسل الكبيسي ـ نفس المصدر السابق ) ففسرها على أنه ( أنصهار الفرد في الأمة إلى درجة التضحية بالحرية الفردية ـ نفس المصدر السابق ) . وأعتماداً على نفس مقولات الحصري ( بأعتبارها نموذجاً ) في ( رفض كل أشكال القوميات القطرية في العالم العربي ـ نفس المصدر ) ، فإن الأتجاه القومي الوطني لايتوافق مع المفهوم القومي الوحدوي ، وهو المنطق الذي لايمكن قبوله من القوميين العرب وبالتالي فإن السكوت على مواقفه جريمة ضد الوحدة العربية ، حيث تبين من مجريات الأحداث أن كثيراً من الذين رفعوا أسم الوحدة هدفاً .. كانوا أكثر الذين تأمروا عليها .

فدعوة القومية العربية في أهم أجزائها ، دعوة للوحدة العربية ، ونضالٌ من أجلها ، ضد تشتيت الأمة وتفرقها .. وضد تخلفها الذي أورثته تلك التشققات والتجزئة . ففيما تميز القوميون العرب الوحدويين ، الذين أختاروا الخط الناصري .. تمسكهم بالوحدة العربية عن غيرهم من القوميين ووجدوا ( في الوحدة قوة ـ نفس المصدر ) ، تعارضوا مع البعثيين الذين لم يستجيبوا لهذا الموقف في ( جعل قضية الوحدة الهدف الأول لنضال الجماهير ـ نفس المصدر )، وقد تبين بوضوح موقفهم هذا وبشكل عملي في عجزهم ( البعثيين ) من أبرام عقد للوحدة بين قطرين شقيقين متجاورين ، تقع سلطاتهما تحت نفوذ حزب البعث في الفترة التي أفشل فيها البعث محاولة الوحدة الثلاثية في 1963 ، ولافي الفترة الزمنية الطويلة بين 1968 ـ 2003 ، بل أن الأمر لم ينحسر عند هذا الحد ، فقد بلغت درجة العداء بين جناحي الحزب والنظامين ، لأكثر من العداء بين نظاميين متعارضين ، وتم خلالها تصفية (الرفاق البعثيين) من الذين يملكون حساً وحدوياً .

ولقد أصبح واضحاً القصور الفكري والعملي لدى دعاة الوحدة العربية الذين كانت ولاتزال طموحاتهم تنصب في مضمار منافسة زعامة عبد الناصر المؤكدة للوحدة العربية ممارسة وفكراً ( وعلى الرغم من ذلك فإن الممارسة العملية لحزب البعث كانت تتناقض مع الفكر والمبادئ النظرية ، فالذهنية القطرية في الممارسة تغلبت على الذهنية الوحدوية القومية ، والنهج الشمولي الذي لايعترف بالأخر والرأي الأخر حل محل النهج الديمقراطي الذي يعتبر الحرية الفردية والجماعية حقاً للمواطن والمواطنين ، كما أن نظرية الحزب القائد وهيمنته على الدولة والمجتمع لاتتفق مع الحرية وتجعل الحزب القائد والنظام بديلاً للشعب ونظرية الجيش العقائدي لاتنسجم مع بناء جيش وطني محترف ـ حسن عبد العظيم ـ التيار القومي ـ الواقع والأفاق المستقبلية )

هنا تتضح أصالة الدعوة الوحدوية الناصرية ، في كونها تجربة قومية ـ قومية ، على العكس من التجارب القومية الأخرى في الوطن العربي ، ومع ذلك ظلت هذه الدعوة وتجربتها الوحيدة في التأريخ العربي تتعرض للتشريح ، والتجريح حتى من المحتمين بخيمتها ، فقد تعددت نواحي اللوم .. منها من أتهمها بالتعجيل في أبرام مشروعها الوحدوي ، ومنها من لامها في التأخير لدعوتها القومية والوحدوية ، والواقع أن هناك شعرة صغيرة بين اللائمين ، تدعوا في البحث عن ( أنتكاسات الثورة وأخطائها ) .. فيما تصور البعض أنه يحاكم حدثاً في وقته وقد مضى عليه ما يقارب العقود الأربع ، غير مدركاً للتحولات نوعاً وكماً .

 

الوحدة والديمقراطية

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

هناك كلام كثير يقال في الوحدة والديمقراطية : ( الطريق إلى الوحدة العربية يبدأ من الديمقراطية ، فلا وحدة ولا اتحاد قابلين للأستمرار والبقاء إذا لم يؤسسا على إرادة الأغلبية من الشعب الممثلة له بطريق الأنتخابات الحرة النزيهة ـ د . ممدوح خسارة ـ التحولات في الفكر القومي ـ الوحدوي الثقافي )

هذا الكلام في عموميته صحيحاً ، ولكن في تطبيقاته على أرض الواقع الحي هو غير ذلك ، وأسبابه متعددة وهي في صلب الديمقراطية وتطبيقاتها ، ففي لبنان مثلاً ، هناك تجربة ديمقراطية ، ولاحقاً في العراق ، والأنتخابات هي أداتها .. نزيهة أو غير نزيهة .. حرة أو غير حرة ، لأن درجة حريتها ونزاهتها تدخلنا في أشكاليات الجهة التي تحكم في ذلك ، وهذا يقع ضمن معايير ومصالح تلك الجهات ، هذا أولاً ، أنما على العموم أن التجربتين مارستا نفس آلية الأنتخابات . ولكن هذه الأنتخابات في كلا التجربتين قادتا لمزيد من التمزق ( الطائفي والديني ) ، وقطعتا الطريق على (الغالبية الوحدوية ) وفتحت الطريق أمام القوى التي لم تكتفي بالتشتيت القومي ، بل هي لاتخاف أن تظهر العداء للوحدة الوطنية !!

إذاً علينا أن نسمي الأشياء بأسمائها الصحيحة ، ونقول أن الديمقراطية التي تضمن حقوق الأمة في وحدتها هي ليست هذه الأشكال من الديمقراطية ، ذلك لأن هدفنا الأساس هو المواطن العربي من الأجيال الجديدة التي تقع على رأسه يومياً ألاف الأطنان من ( الكيمياء السياسية ) المعادية ، محضرة في أحسن مختبرات العالم . وهذا دون شك يجعلنا مرة أخرى نبحث عن (ديمقراطية سليمة ) فهل هناك ديمقراطية وحدوية ؟ يقول المفكر القومي منح الصلح في مقالٍ له : ( أن هويات الأقطار العربية ، تعالجها ديمقراطية ذات منطق وطني قومي ) .

وحينما نتصور مثلاً أن “الديمقراطية السليمة ” لها ( قصورها عن عدم الوفاء بوعودها .. من أنها تنفذ منها أكثر العوامل والقوى السياسية المضادة للثورة ـ جمال الأتاسي ـ إطلالة على التجربة الثورية لجمال عبد الناصر ) فإن تلك القوى كانت أكثر فشلاً ( اذا حسبنا التجربة الناصرية فاشلة في هذا المجال وعدم الأتفاق في تصاعدية الثورة بالأنجاز الديمقراطي ) في المجيء بتجربة ناضجة ” للديمقراطية” .. كانت أفضل أو على الأقل بنفس المستوى في مجال المردودات الحقيقية للجماهير من التجربة الناصرية .

وقد جاء في مجالات التشكيك المتعمد للقومية العربية ودعوتها الوحدوية بأن ” الأنظمة العربية التي حكمت بأسم القومية العربية سلبت الأنسان حريته السياسية والمدنية بحجة تحرير الأرض العربية ـ ممدوح خسارة ، نفس المصدر” فالتجربة تحكم بما لايقبل الشك .. أن الديمقراطية السياسية لايمارسها بشكلٍ طبيعي أنس

المزيد


دعوة بالعودة الى الاصولية الناصرية ج3

تشرين الأول 20th, 2008 كتبها التيار العربي نشر في , دراسات

     دعوة بالعودة للأصولية الناصرية 3

                          دروس في الوحدة ، ومن أجل الوحدة

                                                                                      حسين الربيعي

      هكذا كانت الوحدة هي الحقيقة ، وكان كل ما عدا الوحدة أصطناعاً              

                                                                                 جمال عبد الناصر

 مقدمة :

ـــــــــــــــــــ

في مسألة الوحدة العربية من وجهة نظر ناصرية ، لنا مسلكان :

الأول : من خلال تجربة عبد الناصر في الدعوة لها ، ومن خلال تنفيذها في نموذجها الوحيد (الجمهورية العربية المتحدة) ، وفي أستخلاص تجربتها بعد الأنفصال ، والأستمرار والثبات بالعمل على تحقيقها في تجربة عبد الناصر نفسه .

وثانيهما : الدروس التي أستخلصها مناضلو الحركة القومية ومفكريهم ، في خضم الواقع الأقليمي المدعوم من قوى الهيمنة العالمية ، وفي ظل كبوة الحركة القومية .

والدعاوي للوحدة العربية في بعض جوانبها بدأت تطرق سبلاً خطيرة ، فالبعض يساهم بإدراك أو بدونه في الحملة ضد الوحدة العربية ، في الوقت الذي لايزال هذا البعض يملأ مكاناً في الخندق القومي !! فالوحدة العربية نظام سياسي ما ، يجمع الأقطار العربية ( التي تكونت جراء التدخل الأستعماري الغربي في الوطن العربي بعد أضمحلال وهزيمة الأمبراطورية العثمانية ) ويخلق للأمة العربية كياناً بمستوى الكيانات والتكتلات العالمية المهمة القادرة على حماية مصالح شعوبها وصيانة سيادتها فوق الأرض التي تقيم فوقها (الوطن) ، وتنجز نهضتها وتنميتها الحضارية .

ومن المفردات الجديدة التي أنطلقت مؤخراً ، تطرح قصراً متأخرا لمفهوم الوحدة ( لانفهم مغزاه ، ولايتوافق محتواه مع نضالات صاحبهً)  ما جاء به الدكتور خير الدين حسيب ، صاحب أكبر مؤسسة عربية تعني بالوحدة العربية وتوسم بأسمها ، في مقالٍ له منشور في جريدة العربي ، حيث أعتبر المملكة العربية السعودية ، نموذجاً وحدوياً !! ، ناسيا أن قيام الدول القطرية العربية بني على أنقاض الطموح القومي العربي بانشاء دولة عربية واحدة ، مذكرين بالثورة العربية الكبرى 1916 التي أندلعت في الحجاز بمشاركة القوميين العرب بمختلف اقاليمهم وطعن ظهر الثورة من قبل آل سعود وبالتنسيق مع الحكومة البريطانية ( كان لأعلان خلافة الحسين وقعٌ سيء لدى أبن سعود ، فأوعز في 4 حزيران 1924 لعقد مؤتمر الرياض يحضره رجال الدين وزعماء الأخوان الوهابيين للمداولة في موضوع غزو الحجاز ، وعقد المؤتمر برئاسة ـ عبد الرحمن والد أبن سعود ـ وذكر في المؤتمر) و( قرروا ان يغزو الحجاز لتخليص البيت الحرام من أيدي الظالمين المشركين!! ـ المحامي جواد الظاهر الوجيز في تأريخ العراق السياسي الحديث ) . وأن هذه الدول القطرية بمجموعها ليست إلا نتيجة لأنتصار إرادة العدوان الغربي ضد الأمة العربية ، وحلاً لمسألتين تهمان الأستعمار الغربي بأستمرار ، منذ ذلك الحين ولحد الأن ، وهما طريقة تقاسم الوطن العربي ، والأخر ، تحقيق التفوق للكيان الصهيوني ، حيث كان العمل قائماً على قيامه في وعد بلفور ، وما تلاه من دعم وتجهيز وتموين ومشاركة فعلية بالحروب والجرائم ضد أمتنا العربية .

ومن خلال موقفنا العقائدي ، فإن السبيل لمشروع وحدوي جديد يجب أن ينطلق من نفس ثوابتها الأساسية ، تمسكا بها وليس أنقلاباً عليها ، مع الأخذ بضرورة توجيه النقد لمواقع الخلل ، إن كان في صميم الفكر ، أو في أسلوب الدعوة ، أو في مجريات التجربة ، من أجل أغناء الفكرة والتجربة وإعادة فاعليتها ضد الهجمة التمزيقية الجديدة .

 

أولاً ـ وحدة 1958 وطريقة أنجازها  :

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كانت بدايات الطرح الوحدوي القومي لعبد الناصر من خلال كلمات بسيطة ، في المؤتمر العربي الأسلامي ـ القاهرة سنة 1953 فقد ورد في كلمة عبد الناصر في المؤتمر أعلاه:

أيها الأحرار في كل دولة عربية

أيها الأحرار في كل شعب عربي

أيها الأحرار في كل مكان :

( هبوا وجاهدوا في الله حق جهاده ، وأحرصوا على الموت توهب لكم الحياة . إذا أردتم الخلاص فهبوا كما هب أجدادكم من قبل في وجه المستعمر الذي جاء إلى بلادكم يستر غدره تحت شعار الحروب الصليبية ، ولقد وقف العرب مسلموهم ومسيحيوهم يدافعون عن حريتهم وكرامتهم ، حتى علت راية العروبة بينما هوت أعلام الظالميين )

ومع أننا على علم بقومية فكر عبد الناصر الذي أستوعبه على أرض الواقع في الحرب العربية ـ الصهيونية الأولى عام 1948 ، إلا أنه أراد أن يوضح فكره القومي بشكل تدريجي ، لأنه يعتقد بوجود أستعمار فكري وعقلي ، له تأثير على عقول الناس ، وكان يجب أن يتخلص منه تدريجياً ، يقول عبد الناصر في معسكر تدريب الشباب في الأسكندرية 18 / 9 / 1953 :

( الأنكليز لم يكونوا يحكمون بانفسهم ، بل كانوا يحكمون بواسطة مصريين وبواسطة أساليب الأستعمار الفكري والعقلي التي عملت على بث التفرقة وتقويض الأخلاق )

إذاً كان السبب الأول هو تحصين الوحدة الوطنية المصرية لكي تكون قادرة (بقيادته) على الأخذ بمهمة الدعوة لقيام الوحدة القومية ، إن الأعداد الفكري الذي يواجه الأستعمار الفكري وأدواته المحلية ، يجب أن يتلازم مع الأعداد التدريبي ، لكي يتضامن الفكر والقوة في مواجهة علمية ، والفكر الرائد هو الفكر الذي يضع مصلحة الأمة وإرادتها فوق أيةِ مصلحة أخرى ، وهو بالنتيجة فكراً قومياً ، لأن القومية أكبر من الوطنية ، وتمتلك من مكامن القوة في وحدتها مالم تمتلكه الحالة الأقليمية الأنعزالية . وقد جاء في شرح عبد الناصر لدور هيئة التحرير ما يلي : ( إنني لأشهد الله على أن مصر التي طالما أنبعث منها صوت الحق والحرية ، والتي طالما أمتشقت حسامها للدفاع عن العروبة والأسلام ، لتقطع على نفسها عهداً ، كما جاء في ميثاق هيئة التحرير ، أنها ما قامت إلا لتحرير مصر والسودان ، ودعم أتصالاتها مع الشعوب العربية لتحقيق التعاون الفعال بينها في شتى الميادين وتعزيز ميثاق جامعة الدول العربية ليكون أداة لخدمة شعوبها . )

وقد شهد الأفق التدريجي للدعوة القومية الوحدوية للزعيم عبد الناصر تحولاً كبيراً ، يقول الشهيد باسل الكبيسي في رسا

المزيد


دعوة بالعودة الى الاصولية الناصرية

تشرين الأول 14th, 2008 كتبها التيار العربي نشر في , دراسات

 دعوة للعودة إلى ألأصولية الناصرية :

                                 نحو ديمقراطية عربية

                                                                                     حسين الربيعي

أن مفاهيم الديمقراطية تختلف بأختلاف المستوى الأجتماعي ؛ أن الديمقراطية في أسيا وأفريقيا هي لقمة العيش أولاً ، وهي الكساء وهي المسكن ؛ فإذا ما عز ذلك على الفرد ،،، فكيف يمكن أن تكون هناك حرية وديمقراطية ؟

                                                                              الزعيم الخالد جمال عبد الناصر

في بداية عصر النهضة العربية الذي قاده الزعيم الخالد جمال عبد الناصر ، أرتفعت نداءات الأشتراكية العربية لتمييز الفكر الأشتراكي الناصري عن غيره ، وأصدر الكثير من الكتاب والمفكرين القوميين دراسات متعددة في هذا الجانب ، ومن بينهم الستاذ كلوفيس مقصود الذي أصدر كتاباً عنوانه نحو أشتراكية عربية ، حيث كانت الحاجة ماسة لتسمية النمط والأسلوب الناصري في العمل على إقامة الدولة الأشتراكية . ولما كانت الحاجة اليوم لأيضاح النهج الديمقراطي في التجربة الناصرية ، بسبب المتاهات التي دفعوا الناس أليها من خلال تغطية الفساد والأستغلال السياسي والقتصادي الذي هيمن على الوسائل والمؤسسات السياسية في الوطن العربي ، بالإضافة للأحتلال والهيمنة الأجنبية ، فلقد وجدت أن من واجب الوطنيين والقوميين المساهمة في وضع رؤيا ديمقراطية حقيقية تتوافق مع واقع المجتمع العربي ، مستحصلة من نتائج التجربة الناصرية .  

أن على الناصريين فعلاً ، وبعضهم يقف مكتوفاً دون أن يدري ما يفعل ، والبعض منهم وجد نفسه وسط الزفة الديمقراطية الجديدة بموضتها الأمريكية ، يشارك اصحابها ؛ فإن على البقية التي تبحث عن سبيل للخروج من الحالة السلبية السرابية ، أن تعود لأصولية تجربتها الناصرية ، لكي تقرأ فصولها بدقة ومقارنتها بواقع العمل السياسي القائم على الأرض ، وهو العمل المضاد دون شك لمبادئ تجربتها ، لتستخلص أيجابياتها بتمسك عالي دون ان ترضخ لأحتمالات زعزعة ما تتوصل أليه ، ودون ان تترفع عن الإضافة العلمية له أيظاً  

ورغم أني لاأؤمن بما يسمونه الديمقراطية الغربية ، لكونها لاتعني معنى الديمقراطية الحقيقي وهو سلطة الشعب ، فيما الديمقراطية الغربية تعبير عن وسيلة ما لتفادي الصراع الدموي بين قطبين أو أكثر ضمن دائرة عملية سياسية تضمن أستمرار تنقل السلطة بينهما أو بينهم ، وعلى قاعدة سلبها (السلطة) من مستحقيها (الشعب) .

ومع ذلك ، فنحن نضطر لأن نحتكم أليها (الديمقراطية الغربية) الأن لأمرين : أن نرفع الهالة الكاذبة عنها ، وأن نحاول ثانياً التخفيف من وطأة مضارها .. وربما الأرتقاء بها . فالأفصاح عن خدع هذه الديمقراطية ، وفضح ممارسات روادها في الأتجاه الذي يساويها بالدكتاتورية والشمولية أو يتغلب عليهما أحياناً … يتطلب  تكثيف الرقابة والملاحقة التامة لمجريات مسيرتها ، ما يمكن أن يخلع القناع الذي يضعه الجامحون لإحتكار السلطة من خلال ما يسمى عملية تداول السلطة ، فعلى الأقل يتعرض المعنى هنا للأهتزاز ، فإذا كانت الديمقراطية هي حكم الشعب ، بواسطة الشعب ، ومن أجل الشعب ، فمع من تتم عملية تداول السلطة هذه ؟

ولعل التجربة المريرة في العراق ، التي تغنى بها الأحتلال كثيراً ، وأربابه المحليين من طوابير الرجال والنساء من دالة الأحتلال ، ومسوغيه ، أو من البعض الذي أراد أن (يغتنم) الفرصة في الولوج نحو عالم السياسة والرئاسة ، الذين لايعني لهم الشرف الوطني والكرامة ولاغيرهما مما لايمكن صرفه أو تحويله (لمصاري) ، لإصطياد الفرصة جزءاً أو بعض جزء والأستئثار من الثروة المستباحة بغياب السلطة الشعبية ، عبر التمكن من الهيمنة على وسائل النفوذ والقوة ، لضمان المشاركة فيما أصطلح على تسميته (العملية السياسية) وبمباركة أصحاب السلطة الفعلية والقوة المتنفذة على الأرض وهو الأحتلال ، ولا أحد غير الأحتلال . حتى أن درجة الأدعاء بمفاخر ومزايا هذه العملية السياسية (الديمقراطية) ، في الجانب الأعلاني لها بمقايس ترويجها بالأسلوب التجاري المحض ، الذي يستخدم المبالغة والكذب المحبك بتفريط ( على شاكلة القوة الفولاذية التي تمنحها رقائق البطاطا المقرمشة أو مشروب غازي معين لأغراء المستهلك بشراء هذه المادة والأيحاء له دون وجه حقيقة بتلك القوة والأنتعاش) أوقعها (ديمقراطية العملية السياسية) في حبائل أعمالها ، حين أوصلت الناس لقرار المقاطعة الجماعية لأيةِ أنتخابات تجري تحت سيادة العملية السياسية الحالية .

ولأن السياسة فن الممكن ، فلقد وضعنا أحلامنا جانباً خوفاً (أن تجربا) .. ولكن دون أن نهجرها أو نتغافل عنها ، لأنها الأكثر واقعية وتجاوباً مع مفردات المجتمعات الأنسانية ، والمجتمع العربي بشكل خاص ، ولأن المواجهة الحضارية قلما تستوجب اللجوء لوسيلة سفك الدماء ، فقد كان الأختيار الأفضل لرواد الديمقراطية الحقيقية والسليمة سلوك سبل الحوار والفكر والثقافة ، ولابد أن يكون الأعلام في مقدمة هذه الوسائل الثقافية والفكرية بأعتباره القناة التي تعالج الصعوبات الأكاديمية وتيسيرها للمتلقين غير المتخصصين .

يقول لازويل :( أن من وظائف الأعلام مراقبة البيئة المحيطة ، ومنع أي ثقافة أخرى من أختراق المجتمع ، والعمل على ترابط المجتمع وأفراده من جهة أخرى ، والأهتمام بنقل التراث الأجتماعي . )  وعليه يجب أختيار السبيل الممكن المتاح بالمواجهة الأخلاقية ، مع يقيننا أن الطرف الأخر أمامه وسائل غير عادية ، وغير أنسانية ، وغير أخلاقية . أن التفاني الذي يمتلكه المؤمنين بالديمقراطية الشعبية ، لايمتلكه ولو بالحد الأدنى رواد التحريف من أتباع الديمقراطية الغربية التي تفتح الطريق لأستبداد أشد قسوة ًتمارسه الدول أو الدولة المستبدة على الشعوب الأخرى ، أي بمعنى تدويل الدكتاتورية بتحويلها من دكتاتورية فرد أو حزب أوجماعة أو طائفة أو عشيرة .. من أبناء الوطن ، إلى دكتاتورية تمارسها ألة أو جيش أو مؤسسات أو شركات تجارية وأقتصادية من خارج الوطن .

لقد أصبح العراق من خلال التجربة الديمقراطية التي (يرعاها) الأحتلال ، مكباً لكل النفايات السياسية الخطرة والسامة والغريبة ، ومرتعاً لكل ما يوحي به الغرباء الذين هم على أقل تقدير لايحسون بمصالحنا وطموحاتنا ، بدعاة لهم مسخرون لخدمة أغراض وأهداف آولئلك الغرباء المدججين بالسلاح المرفوع في وجوهنا ، والذي يحسب أنسانيتنا وكرامتنا ووطنيتنا إرهاباً نستحق عليه أشد الويل والعقاب ، يجيره علينا آولئك الدعاة ، وذلك هو منطق الزمان حين تأبوا شمس الفضاء ويرتد الصحاء ويسود دموس الليل .

أن الشعار الواقعي لوضع المجتمع على طريق الديمقراطية الحقيقية ، والذي لايقبل التأويل هو : إرادة الأمة هي القانون الأعظم ، مع الأخذ بالأعتبار ما يمكن تطويره وفقاً لهذا النص في إطار السلطة ، إذ

المزيد


الناصرية .. الاختيار الثالث /3/ .. حسين الربيعي

تموز 10th, 2007 كتبها التيار العربي نشر في , دراسات

الناصرية .. الأختيار الثالث
           ثورة يوليو بوابة مرور لعصر الجماهير
           رؤيا في الديمقراطية والتنظيم السياسي
              ( ثالثاً )
                         دروس الواقع والتجربة الناصرية
               حسين الربيعي
 
لماذا نفكر بأسلوب جديد ؟
لقد تحولت التعددية الحزبية الى فوضى حقيقية ، على شاكلة الفوضى الأقتصادية وفوضى الخصخصة ،نظام السوق الذي لاتنظمه أطر أو قوانين غير المزيد من الربح والأستيلاء على وسائل الأنتاج بأية طريقةٍ كانت شرعية وغير شرعية ، وعلى شاكلة الفوضى الأمنية التي تحصد المزيد من الضحايا والشهداء والخراب ، وتغيير النظم الأجتماعية لنظام ـ الكاوبوي ـ . بعد أن كانت السياسة من وجهة نظرنا على الأقل وتماشياً مع متطلبات ـ التطوير والتجديد ـ ومنها القبول بالتعددية ، إنها يجب أن تهدف لخدمة الأنسان ، وخلق ثقافة التعاون والأبداع ، والنظام والأنضباط ، تحولت هذه التعددية الى شركات تمتلك ـ أمتيازات ـ سياسية وغير سياسية متعددة ، وتعمل على قاعدة ـ الربح ـ فقط .
وأستحوذت التعددية الحزبية على الدين ، ومن ثم على الطوائف ، فحولتها الى أحزاب وكتل وأئتلافات وتيارات .. فهي حزبين بأسماء متعددة ، كل حزب منها يستهدف أبناء الطائفة الأخرى ، وأبناء طائفته غير المنتمين . وبالنتيجة تحول الشارع الأسلامي لحزبين متعارضين ، وجمهورٌ واسع غير منظم يبحث عن التوحيد ، أو على الأقل التوازن وعدم التصادم المسلح ، أنه جمهور عمر ـ علي الأكثر عدداً ، المستهدف من الجميع . لذلك كانت الدعوة لمشروع جديد هاجس المناضلين القوميين " أستنهاض المشروع القومي النهضوي بأعتباره الأساس الجامع في مواجهة محاولات التفتيت المذهبي والطائفي ورفض الأنجرار الى تلك الصراعات الخطيرة التي تدفع اليها القوى المعادية للأمة ـ من بيان اللجنة المركزية ـ الدورة الرابعة لحزب الأتحاد الأشتراكي الديمقراطي ـ سوريا "
ومن تجاربنا ما يثير الألم .. فالقوة يجب أن تخضع للعقل ، فيما تنقلب كل المبادىء الأساسية رأساً على عقب وتتغير البديهيات ، ويخضع العقل لسيطرة القوة ، وبدل أن يكون لنا سلاح في خدمة العقيدة والأهداف ، أصبح لدينا عقيدة في خدمة السلاح وما يجره السلاح الذي لايتحكم فيه العقل ، أو على الأقل تتحكم فيه عقول فاسدة تهوى الدمار والدم ومد جذورها خارج الحدود وخارج الوطن عبر البحار والمحيط !! وبدل أن يخلق العقل ثقافة بين الناس ، لتهيمن ثقافة الأمة الواحدة على أسلوب الحكم وألياته وخصوصياته ، تمكن العنف من بناء سلطاته والأستحواذ على الكثير من المرافق .. وعلى سبيل المثال فإن ـ فتح ـ مؤسسة عسكرية هدفها تحرير الأراضي المحتلة ، كذلك هي ـ حماس ـ ، ومن ثم ترك السلطة والحكم الى الشعب ـ وكان ذلك يوم كانت هناك مرجعية قومية على مستوى الوطن العربي ـ في حين أن كليهما ـ وغيرهما على مستوى الوطن الكبير ـ تحولتا لأجهزة قمع وميليشيات تتصارع فيما بينها على السلطة أو جزءً من السلطة ـ لايهم ـ فالمهم أن تكون هناك نتائج تفرز أرباح ولو على حساب القضية .
ويراودني هنا الفرق الكبير والشاسع بين حدثين وثورتين عظيمتين في الوطن العربي ، هما ثورة يوليو ـ تموز 1952 وثورة يوليو ـ تموز 1958 ، ففي حين تحول عبد الناصر من الرجل العسكري الى المفكر ، والباحث ، والمنظر والقائد الجماهيري .. متخلياً عن رتبته العسكرية ، وبزته العسكرية ، وأصبح مرجعية لها أيدلوجيتها ونتاجها الفلسفي ، وتجاربها السياسية والأقتصادية .. بل وحتى العسكرية بما فيها من الخطأ والصواب ، ذلك لأن عبد الناصر أمسك بالعقل والفكر وتغليبهما على القوة لأخضاعها وقيادتها لمصلحة البناء والنهضة .
فيما أنبرت ثورة تموز 58 من خلال قادتها ـ قاسم ـ لتمسك بالقوة وتتصرف بالعنف ، والتباهي بالبزة العسكرية والرتبة العسكرية ، يدور بعيداً في دائرة صغيرة ، ولم يتمكن من أن يتحول الى دائرة العقل بدلالة قلة تجاربه ومشاريعه السياسية الديمقراطية ، وخلو تأريخه من أي أرث فكري أيدلوجي محدد .
وبعض الحركات السياسية الأسلامية الحالية لم تستطع أن تتجاوب مع النهج الفكري والسياسي للحركات السياسية في الأسلام ، كالثورة الحسينية ، والمعتزلة ، والقرامطة ، والزنوج ، والزيدية ( ثورة الأمام زيد ) وغيرها ، ولامع الفكر الأسلامي الحديث الذي لأبو الأعلى المودودي أو الأمام الخميني الذي أعتبر الرأسمالية شيطانٌ أكبر .
وتحولت التعددية في عالمنا العربي لسلاح بيد المرابين والمقامرين بأمن الوطن وأمن مواطنيه ، وفشلت فشلاً ذريعاً أن تكون مرتكزات أو منابر أو حتى ملتقيات ثقافية وعلمية للدراسة والتحليل والتدبر ، ويفزع السياسيون من المشتركين في العملية السياسية في العراق من بعض العناوين التي يجب أن تترافق مع الديمقراطية ـ كالمعارضة ـ ( في أحد لقاءات اللقاء الديمقراطي جرى كلام مطول عن هذا الموضوع ، وكان رأي ـ القوى المستفيدة من العملية السياسية ـ الدعوة لآعتبارهم شركاء في العملية السياسية ، ويبلور هذا الأمر بوجود معارضة فولكلورية أو ممسوخة وفقاً لرأي عبد الناصر) .
ومن الأدلة الواضحة على فشل تجربة التعددية بالتعبير عن الواقع السياسي ، الفشل للحركات والأحزاب السياسية العريقة التي تمتلك الأستراتيجية الواضحة والبرنامج السياسي والفعالية الفكروية المتعددة والمتجددة في الأداء ـ الأنتخابي ـ ، وأقصائها ، وعزلها ، وتحجيمها في الأجراءات العملية لفكرة الديمقراطية الغربية ـ المعربة ـ وتعددية الأحزاب وتداول السلطة ، ليس لضعفٍ في شعبية تلك الحركات ، وإنما بسبب الطوق المفروض على تلك الحركات ، فالحزب الشيوعي العراقي لم يتمكن في ـ الأنتخابات العراقية ـ التي جرت تحت هيمنة الأحتلال ، لم يستطع أن يجني أكثر من مقعدين فقط من أصل 275 ، وهو صاحب السبعون عاماً ونيف وصاحب نظرية سياسية وثقافية ، وإذا ما برر ذلك بهيمنة الفكر الطائفي فإن ذلك سوف يكون غير مقنعاً على الأطلاق إذا ما قورنت هذه النتائج بغيرها في أنتخابات برلمانية أخرى في أقطار عربية أخرى ، لاتخضع للتوجهات الطائفية وربما الدينية أيظاً ، ففي مختلف هذه الأقطار لم يتمكن الشيوعين أو القوميين أو الناصريين والأشتراكيين من الوصول الى وجود حقيقي ومؤثر في ـ البرلمانات ـ العربية ، ناهيك الأكثرية ، فكيف إذاً يتم تداول السلطة إذا ما أمسكت بها وحوش وكواسر ووقعت في فك الذئاب ؟
أن ذلك حلم يشبه أحلام العصافير ، لأن الفكر الجبري الجديد ، المغامر والمقامر توافقت إراداته مع الإرادات ـ الكبرى ـ ، أما فرضيات وصول حركات معينة أخرى للحكم ، فلا يكاد يختلف عن عن سياسة خلق ـ المبررات ـ لآتمام تنفيذ مخطط الهيمنة والأحتلال ، وإحدى صور خلق المبررات فوز حماس في الأنتخابات الفلسطينية ، الغرض منها أمرين أحتواء حماس أو تدميرها وتصفية وجودها نهائياً ولو بأسلحة فلسطينية من الجبرية الفلسطينية المتعاونة مع العدو والمدعوم أمريكياً بما يقارب 90 مليون دولار أمريكي ـ للحرس الرئاسي ـ زائداً الدعم الرجعي الجبري العربي الجديد ـ الأنظمة المعتدلة ـ  من أجل خاطر عيو

المزيد


الناصرية الاختيار الثالث /2/ .. حسين الربيعي

تموز 8th, 2007 كتبها التيار العربي نشر في , دراسات

الناصرية .. الأختيار الثالث
 
ثورة يوليو بوابة مرور لعصر الجماهير
 
رؤيا في الديمقراطية والتنظيم السياسي
 
( ثانيا )
 
حسين الربيعي
 
 
"وبقي رجالٌ غض ابصارهم ذِكر المرجع . و ارق دُموعهم خوف المحشر . فهم بين شريدٍ نادٍ. و خائف مقموع . و ساكت مكعومٍ . و داعٍ مخلصٍ . و تكلان موجع . قد اخملتهم التقية و شملتهم الذلة فهم في بحر اجاجٍ .افواههم ضامرة و قلوبهم قرحة . و قد وعضوا حتى ملوا . و قُهروا حتى ذلوا.و قتلوا حتى قلوا ، فلتكن الدنيا في اعينكم اصغر من حثالة القرظ و قراصنة الجم. و اتعظوا بمن كان قبلكم قبل ان يتعظ بكم من بعدكم . و ارفضوها ذميمة فإنها قد رفضت من كان اشغف بها منكم"              علي بن ابي طالب
 
 
أ ـ النظام السياسي عند العرب قبل الأسلام :
 
أن خير ما توفر عن الطريقة التي كان يتم بها تنظيم الحياة السياسية عند العرب قبل الأسلام ما كتب بقلم الأستاذ أحمد عباس صالح في دراسته المشهورة في الصراع بين اليمين واليسار في الأسلام حيث شرح بالتفصيل الموقف السياسي عند العرب في مكة تحت عنوان " الكتل السياسية في مكة " وتلخيصاً للفقرات التي تهم موضوعنا ووفقاً لما نجده مفيداً في مسعانا نذكر أهم الأستنتاجات :
 
1 ـ تتولى السلطة في مكة الحكومة المكونة من عشرة رجال يمثلون القبائل المختلفة في الظاهر ، ولكنهم في واقع الأمر يمثلون القوة المالية التجارية للمجتمع المكي ، وكانت" قوانين تحمي الملكية الخاصة حماية مطلقة" ، "ومكة على أي حال لم تكن إلا مركزاً من مراكز التجارة الهامة ، ومكاناً تجتمع فيه القبائل العربية المختلفة للحج والعبادة" . والقوانين والقرارات التي تصدرها الحكومة تنفذ بواسطة "القوة التي يستندون اليعا ، وهي قوة مادية ومعنوية مادراً ما بطل أثرها في تنفيذ الأحكام ونفاذ القرارات "
 
2 ـ " صراع السلطة في مكة قديم ، وقد لجأت الى نظام الحكم الأولجارتي هذا أخيراً ، إذ كانت تخضع قديماً لسلطة رجل واحد وهو قصي عبد شمس الذي خاض عدة حروب مع خزاعة وبني بكر حتى تمت له السيطرة التامة على مكة . ولكن بعد وفاة قصي بدأ النزاع بين أبنائه وأحلافهم" " وأشتعلت الثورة ضد عبد الدار ـ الأبن الأكبر لقصي ـ تزعمها بنو عبد مناف وأنقسمت قريش بين مؤيد لبني عبد الدار وبين مؤيد لبني عبد مناف "
 
3 ـ نتيجة لهذا الصراع برز حلفان .. لعبد مناف "وأخرج بنو عبد مناف جفنة مملؤة طيباً ، فيزعمون أن بعض نساء بني عبد مناف أخرجتها لهم . فوضعوها لأحلافهم في المسجد عند الكعبة ، ثم غمس القوم أيديهم فيها فتعاقدوا وتعاهدوا هم وحلفاؤهم ، ثم مسحوا الكعبة بأيديهم توكيداً على أنفسهم ، فسموا المطيبين" ، ولعبد الدار "وتعاقد بنو عبد الدار ، وتعاهدوا هم وحلفائهم عند الكعبة حلفاً مؤكداً على أن لايتخاذلوا ولايسلم بعضهم بعضاً ، فسموا الأحلاف"
 
4 ـ "ومضت الأمور على هذا التقسيم الذي نقلت فيه السلطة من حكم الفرد الى حكم الصفوة أو الأوليجارتية ولكن الصراع على السلطة ما زال قائماً يغذيه نجاح فريق في التجارة ونمو ثروته وبالتالي طموحه الى السلطة ، ومن هنا بدأ الفريق الأقل ثروة يتكتل ليقاوم سلطان الثروة الجديد ، ولهذا نشأ حلف الفضول من بني هاشم وبني عبد المطلب وأسد وزهرة وتيم" . ومنشأ حلف الفضول يراه الباحث "مونتجمري وات" أنه "تطور لحلف المطيبين القديم وأمتداد له"
 
5 ـ أنقسمت الكتل السياسية في مكة الى ثلاث كتل أو مجموعات وهي (ا) "هي التي تظم أعضاء حلف الفضول مضافاً اليهم عدي والحارث بن فهر " (ب) "عبد شمس ونوفل وأسد وعامر" (ج) "مخزوم وسهم وجمح وعبد الدار" .
 
6 ـ تكونت حكومة جديدة بسبب هذا الصراع "وإذا رجعنا لتشكيل الحكومة وجدنا أن لأعضاء حلف الفضول فيها ثلاثة أشخاص فقط هم : العباس بن عبد المطلب ، ويزيد بن زمعة ، وأبو بكر الصديق . أما بقية الحكومة فمن غير المشتركين في الحلف وسنجد أيضاً أن الوظائف الأساسية في حكومة العشرة موزعة على هؤلاء السبعة" .
 
7 ـ أصبح واضحاً أن حلف الفضول كان تعبير لإرادة القوى المهمشة من قبل الجماعات الأخرى وأنه "على كل حال فحلف الفصول حلف سياسي الغرض منه مواجهة تكتل أخر لاحماية المظلوم الغريب فحسب" .
 
ومن الجدير بذكره أن الرسول محمد (ص) قد شهد نشوء حلف الفضول ويروى عنه أنه قال : لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفاً ما أحب أن لي به حمر النعم ولو أدعي به في الأسلام لأجبت .
 
"وسنرى تفكيك القبيلة في مقابل تضامن المصالح عند بداية الدعوة حيث تحول الصراع الى وجهه الحقيقي فكثيرون من أفراد القباءل التي لم تدخل حلف الفضول أسلموا ووقفوا الى جوار النبي بينما نجد أن هاشم نفسها لم يدخل منها في الأسلام إلا فقراؤها وعندما ننظر الى الهجرة الأولى الى الحبشة سنجد المسلمين فيها يمثلون قبائل كثيرة تصطرع على السلطان والحكم بوضعها القبلي وقد جمع الأسلام هؤلاء المسلمين في موقف فكري وعقائدي واحد ، جمعهم وراء العقيدة الجديدة وما تمثله من نصفة المعوزين والفقراء"
 
وهنا أود أن أنوه الى مقالنا الموسوم " الديمقراطية الأختيار الثالث " الذي نوهنا فيه الى تضامن المصالح المعيشية والأقتصادية فوق التضامن المذهبي أو الطائفي أو حتى القبلي والعشائري الشائعة الأن على الحياة السياسية العربية .
 
وربما كان هذا الرأي في طريقة الحكم التي كانت سائدة فوق البقاع العربية متفق عليه مع بعض التعديلات التي تتوافق مع الميول " السياسية " للمؤرخين ، فمثلاً نقرأ الجملة التالية بقلم الشيخ صفي الدين المباركفوري في دراسته الموسومة بالرحيق المختوم : فالأقطار الثلاثة التي كانت مجاورة للأجانب ، كانت حالتها السياسية في تضعضع وإنحطاط لامزيد عليه ، فقد كان الناس بين سادة وعبيد ، أو حكام ومحكومين ، فالسادة ـ لاسيما الأجانب ـ لهم كل الغنم ، والعبيد عليهم كل الغرم ، وبعبارة أوضح إن الرعايا كانت بمثابة مزرعة تورد المحصولات الى الحكومات ، فتستخدمها في ملذاتها وشهواتها ورغبائبها ، وجورها وعدوانها . أما الناس فهم في عمايتهم يتخبطون ، والظلم ينحط عليهم من كل جانب ، وما في أستطاعتهم التذمر والشكوى ، بل هم يسامون الخسف والجور ، والعذاب الواناً ساكتين . فقد كان الحكم أستبدادياً ، والحقوق ضائعة مهدورة ، والقبائ

المزيد


التالي