العراق .. هل يمكن أن تتغير الجغرافية السياسية ؟ .. حسين الربيعي

كتبهاالتيار العربي ، في 27 تشرين الثاني 2007 الساعة: 01:14 ص

                       العراق .. هل يمكن أن تتغير الجغرافية السياسية ؟
                     والموقف من دعوة الحكومة العراقية لمؤتمر آنابولس
     حسين الربيعي
لاأعتقد أن دورنا ينظوي تحت (نظريات) النقد فقط ، فالنقد الذي كنا نسلكه كان له هدف أسمى ، وهذا الهدف دون شك إستعادة من يمكن أستعادته للصف الوطني ، لذلك مارسنا اسلوب الحوار إعتماداً على النفس الطويل ، وخضنا في غمار حقول الألغام المزيد من المخاطر ، ليس لهدف تنظيمي أو شخصي ، بل ربما كانت من أسباب نجاحاتنا التي تبدوا لناظرينا ثماراً بدات توتي آكلها ، أننا رفضنا تلك المصالح أو المناصب والوظائف ، وبكل فخر أشعر بالنشوة حين اتذكر الأخ المناضل أبا أنس وهو يقول في أحد الأجتماعات المهمة مع بعض أطراف (العملية السياسية) أن التيار العربي بكل فصائله لايدخل في حكومة تحت ظل العلم الأمريكي .. وحينما اتذكر التفاصيل أصيح في نفسي : سلم فاك ياأبا أنس .
ولذلك يجب أن نبين نتائج جهدنا ، ونتائج نضالات شعبنا وتضحياته ، وأن نعلن موقفاً أيجابياً من كل موقف يصب في مصلحتنا الوطنية والقومية ، وبالتحديد ما يمكن أن يؤدي لتقريب ساعة الخلاص من الأحتلال وعودة العراق ليستعيد دوره الرائد . والموقف الجريء الذي أقدمت عليه الأجهزة الأمنية بأعتقال عدداً من (المرتزقة) العاملين في شركات (العصابات) الأمنية الأجنبية ، بعد إطلاق (زمرة) من هذه العصابات النار على سيدة عراقية في منطقة الكرادة ، بعد سلسلة من الجرائم الوحشية .. هذا الأجراء يعني شيئاً ما ؟
فهذه الخطوة لم تأتي عن فراغ ، ولم تكن المظهر الوحيد للمشهد العراقي ، فقد بدأت تظهر شواهد مهمة لهذا المشهد من خلال الألتفاف الجماهيري حول المشروع القومي العروبي ، الذي ولد عودة لوعي ( البعض) نحو ثوابت وأسس العروبة والوحدة والأستقلال . كما لوحظ في المشهد العراقي دون ادنى شك ظمور التيارات الأنعزالية والطائفية والأنفصالية . إن عراقة هذا الشعب وأصالته وصبره ومرابطته على أهدافه وقيمه ، كانت السبب الأول وراء هذه العودة للوعي القومي ، وهذه الفاعلية الوطنية والقومية التي بدات ملامحها وشعاع أنوارها تتوارد الينا من خلف الظلام والفوضى .. لتبددهذا الظلام والفوضى وتحيلهما مستقبلاً لإرادة خلاقة نحو الوحدة والتآخي لتحقيق الحرية المشتركة للجميع .
لقد كان الفشل نصيب (الوعود) بالديمقراطية والرفاه ، ولأن هذا الزمن ليس كباقي الأزمنة ، ولأن شعبنا ليس كبقية الشعوب ، فلم تدم الخديعة كثيراً ، وتسارعت النتائج بالظهور ، فلو كان قد خفي طمع المحتلين لأيام أو أسابيع على بعض (الطيبين) ، وتحت سطوة أثار (التعذيب) والأستبداد الدكتاتوري ،والأوامر التي لاتقبل النقاش والتأجيل للحزب (القائد) .. ليس على الحزبيين .. بل على كاهل كل المواطنين (كل المخلصين هم ابناء الثورة وحزبها القائد) . أن الوعي الفائق الذي يتمتع به العقل العراقي ، وما يتمتع به الجسد العراقي بالقدرة على التشافي من الجروح والألام ، أستنهضا لديه إعادة الحسابات (حتى أثناء شواهد الحرب الأهلية الطائفية التي خطط لها الأحتلال ونفذتها عصابات مرتبطة بالخارج) ، فأدرك قبل ان يتمكن الأحتلال من قضم والتهام (حصته) .. ووفقاً لما يرغب .. من الكعكة العراقية ، أن يحول تلك اللقمة لكأسٍ زعاف ، وسم قاتل لن يتخلص المحتلون من تأثيره لمئات من السنين قادمات .
وحينما أرتفع صوت (بايدن) بالدعوة لتقسيم العراق ، وأمتزجت مع صوته أصوات محلية نشاز ( الذين أعتبروا معارضة التقسيم ـ محاولة لإعادة أساليب الحزب الواحد والدكتاتورية والفاشية ـ عارف طيفور رئيس قائمة التحالف الكردستاني) ، هذا الكلام الذي أعتدى على الذوق الديمقراطي والوطني واللياقة السياسية أفاق البعض من السياسيين الذين كانوا يتصورون أو يصورون (الله أعلم) لفكرة بناء شراكة بين القاتل والمقتول .. بين السارق والمسروق ، من الذين تكلموا عن (أمة عراقية) معزولة عن أمتها العربية الأم ، والذين رفعوا شعارات زائفة تحت شعار العراق أولاً ، والذين تكلموا عن ثقافات جديدة .. وثقافات خاصة للأقاليم ، والذين أرادوا (للأحقاد والتطرفات) الطائفية أن تبني أوطان وهويات ، فقد فوجىء هولاء كلهم بصوت عراقي واحد يقول كلا للتقسيم ، فاستفاق البعض ممن أضلتهم الأكاذيب وأغرتهم المناصب وأعماهم بريق الفائدة ، من الذين لايزال في ظمائرهم الشرف والوطنية .
نعم ، قد يكون بين هؤلاء منافقين ، يتحينون الفرص بالعودة لمشاريع الشيطان ، ومثلما لم يتمكن أعظم وأخير منا على أستئصال المنافقين وعزلهم جانباً في كل تجارب العالم ورسالته العظيمة ، فلن نتمكن من التأشير أليهم ، ولكن من الممكن تمييز البعض منهم ممن تعودوا التقافز فوق (المربعات) والمواقف السياسية .
عموماً .. هل أستطاع التيار الوطني والقومي أن كسب بعض النصر في هذه المنازلة ؟
وبالتحديد ماذا حقق التيار العربي (بأمانته وتشكيلته التنظيمية الجديدة) من أنجاز ؟
بكل أعتزاز وبدون غرور نقول ، نعم لقد حقق التيار الوطني والقومي بشكلٍ عام شيئاً من الكسب في المنازلة الحقيقية على ارض الواقع ، فقد كانت لها الغلبة في مواجهات (جماهيرية) ضد مشاريع (مخيفة) مثل قانون النفط والغاز ، والغلبة فيما أعاقت من تطبيق قوانين أخرى كانت تهدف لرسم الخطوط النهائية للأقاليم مثل المادة (140) في ظرف غير مناسب للتنفيذ ، وعزلت القوى (الأنفصالية) في مساعيها لبناء آقاليم وأعاقت مجهودها ، ووقفت في وجه جعل العراق منطلقاً لإرهاب الدول العربية والأقليمية ، وقاومت المجاميع المسلحة الطائفية والتكفيرية وحررت مناطقها ومدنها بأمكانياتها (المتواضعة) من أسر تلك القوى ، ووقفت بحزم ضد مشروع التقسيم الذي كان مخططاً له أن يكون الصدمة الأولى من صدمات لإذهاب الذهن والعقل الوطني عن وعيه تناغماً مع المعزوفات (الطائفية) ، متصورين إن تلك المعزوفات قد أستقرت داخل الوجدان الذي تركت( حسب تصورهم) الفتنة آثارها البليغة عليه ، غير مدركين إنهم مع طرحهم لمشروع التقسيم فقد سارعوا في انقضاض الناس على الفتنة التي كانت تعيش حالة ضعفها أمام الوعي الوحدوي الوطني الرائع .
عند هذه الفقرة نتسائل .. هل جاء هذا إعتباطاً ؟ وهل ذهبت أدراج الرياح نضالات الطلائع الثورية في كسب المزيد في خطوط المواجهة التأريخية (كما قلنا سابقا) ضد الأحتلال ؟
دون أدنى شك إن من يحاول أن يعزل تلك (المكاسب الجماهيرية) في المنازلة عن سبق تخطيط ونضال دؤوب (للطلائع الثورية) ، لن يكون منصفاً ، ولن يتمكن من معرفة نهاية الطريق ، كما يعجز عن تحديد أبعاده ، ومثل هؤلاء غير قادرين على مواصلة الطريق ، أو اللحاق به لمن تأخر عنه . وسوف يشيح هذا الفهم بالضبابية وعدم الوضوح ، والإرباك في الخطوات القادمة الأكثر حساسية ، والأكثر أهمية وتأثيراً ، فالمهمة الأولى يجب أن تكون نقل بعض القوى من جهة إلى جهة أخرى .. ومساعدة البعض على تعديل مواقفه وأهدافه ، خصوصاً في حالة وجود مشتركات (تأريخية) مساعدة على إستنهاض المواقف والأهداف الجديدة ، وبعد الإطمئنان لنية التيار العربي وغيره من القوى الوطنية والقومية لعدم رغبتها للأستئثار بالسلطة أو حتى المشاركة فيها (كما سبق أن ذكرنا) ، بل على العكس فإن هذه القوى الوطنية والقومية مقابل المواقف الجديدة مستعدة للدفاع عن السلطة ودعمها إذا وجدتها جادة في الحفاظ على وحدة العراق وتحديد موعد نهائي لإنهاء الوجود العسكري وغير العسكري للقوات المحتلة .
ومع كل هذا اليقين فإن الحذر والتحيط والتنبه واجب كل حريص على وطنه وأمته ، ومع إن مؤتمر آنابولس سوف يعقد تحت ظل هزيمة المشروع الأمريكي (الشرق أوسطي) ، حيث يبدوا أنه يشبه مؤتمر (اللحظة الأخيرة) لإنقاذ وجه الولايات المتحدة وأسرائيل من (كم) الهزائم فوق الساحة العربية ، أبتداءً من أنتصار المقاومة في لبنان ضد الغزو الصهيوني ، وصمود سوريا ، ومقدرة حماس على البقاء والمقاومة ، تمكن السودان من التعامل مع كل (الأجراءات) التي تحاك له وضده ، وثبات الموقف المستقل لليبيا في السياسة والأقتصاد والعلاقات ، وأستمرار أيران في مسعاها الوطني لأمتلاك التكنلوجيا .. كل هذا الذي تؤطره المقاومة العراقية للأحتلال ومشاريعه وصممته فوق الساحة العربية والعالمية بالضافة للساحة العراقية ، فإنه الرد على ما يقوله القادة العسكريين الأمريكيين ببقاء القوات العسكرية الأمريكية في المنطقة لخمسين عاماً قادمة ، وتعبيراً من أن هذا الكلام لايلزمنا ولن يلزمنا على الأطلاق لأننا على الأقل بدأنا نستعيد قوتنا الحقيقية التي تظمنها وحدتنا وتمسكنا بهويتنا العربية الأسلامية . ولكن العدو ليس هيناً وهو قادر على تغيير مسالكه ومخططاته الهادفة للأضرار بالأمة والوطن .فإلى المزيد من العمل والحذر .
يقول الذليل (جعجع) إن حزب الله وسوريا وأيران لديهم مشروع كبير لتدمير أسرائيل ، وهزيمة الولايات المتحدة ومنعها من الهيمنة على العالم . إذاً ألم يدرك هذا الواطي المتواطىء مع العدو إن ما يقوله سيتحول لتعزيز الدعم الشعبي عربياً وعالمياً لهذا المشروع ؟ وأنه سوف يفضي لوضع بعض (الأعتراضات) على بعض الأطراف جانباً ، لأن تلك (الأعتراضات) قد تكون (عقبة) تقف في وجه هذا المشروع ، والإدراك الذي أصبح يقيناً أن (الألية) الأمريكية سبق أن عمدت (لتوسيعها) لغرض وضع تلك (الأعتراضات) بالحقبة السابقة في الطريق الذي يساهم في (حماية أمن أسرائيل) ويهدم الجبهات الداخلية العربية .
وحول دعوة الحكومة العراقية للمؤتمر ، فإننا نوجه انظار (المخلصين) داخل الحكومة ، كي يعبروا عن عراقيتهم الصادقة بأختيار الأمتناع عن المشاركة ، لأعتبارات عديدة من أهمها الرغبة في عدم توسيع الخلافات الداخلية ، خصوصاً بعد أن تداعت أطراف كثيرة لتجميع الجهد الوطني وتقريب وجهات النظر ،كما أن الدعوة للأنفتاح على المحيط العربي يجب أن تتوافق مع الأمن القومي والوطني الذي يضرب مؤتمر آنابولس به عرض الحائط ، خصوصاً وانه يأتي في ظرف خلافات عميقة داخل الجسد العربي ، والقطري العربي ، ولعلنا نقول إن ما فينا يكفينا ، وأن الأجدر بالسادة (المعتدلين) من الحكام والأثرياء العرب أن يبحثوا بجد عن طريقة معينة للتخلص بشرف من بعض ما يربوه من ثروة الأمة لأنقاذ مريض فلسطيني ، أو يظمدوا جراح مقاتل مقاوم يدافع عن شرف الأمة أو يحمي لبنان من (الحرامية) الذين يبيعوه للأعداء بثمنٍ قليل .
على العموم فإن هدف المؤتمر الأساس الأعتراف بيهودية الكيان الصهيوني ، وهذا معناه وفقاً لفتوى للإمام الخميني الردة عن الأسلام ، فأرض فلسطين وقفاً أـسلامياً ، وهي بالتالي ملكاً لكل المسلمين ، والتنازل عنها وعن أسلاميتها وعروبتها يتطلب جمع موافقة ملايين المسلمين من أقصى الأرض لأقصاها ، ذلك نعيده على مسامع الملتزمين بالفكر الأسلامي ، لعل الذكرى تنفع.
 
 
                   بغداد العروبة 23 تشرين ثاني نوفمبر 2007            
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر