الناصرية .. الاختيار الثالث /3/ .. حسين الربيعي
كتبهاالتيار العربي ، في 10 تموز 2007 الساعة: 20:09 م

الناصرية .. الأختيار الثالث
ثورة يوليو بوابة مرور لعصر الجماهير
رؤيا في الديمقراطية والتنظيم السياسي
( ثالثاً )
دروس الواقع والتجربة الناصرية
حسين الربيعي
لماذا نفكر بأسلوب جديد ؟
لقد تحولت التعددية الحزبية الى فوضى حقيقية ، على شاكلة الفوضى الأقتصادية وفوضى الخصخصة ،نظام السوق الذي لاتنظمه أطر أو قوانين غير المزيد من الربح والأستيلاء على وسائل الأنتاج بأية طريقةٍ كانت شرعية وغير شرعية ، وعلى شاكلة الفوضى الأمنية التي تحصد المزيد من الضحايا والشهداء والخراب ، وتغيير النظم الأجتماعية لنظام ـ الكاوبوي ـ . بعد أن كانت السياسة من وجهة نظرنا على الأقل وتماشياً مع متطلبات ـ التطوير والتجديد ـ ومنها القبول بالتعددية ، إنها يجب أن تهدف لخدمة الأنسان ، وخلق ثقافة التعاون والأبداع ، والنظام والأنضباط ، تحولت هذه التعددية الى شركات تمتلك ـ أمتيازات ـ سياسية وغير سياسية متعددة ، وتعمل على قاعدة ـ الربح ـ فقط .
وأستحوذت التعددية الحزبية على الدين ، ومن ثم على الطوائف ، فحولتها الى أحزاب وكتل وأئتلافات وتيارات .. فهي حزبين بأسماء متعددة ، كل حزب منها يستهدف أبناء الطائفة الأخرى ، وأبناء طائفته غير المنتمين . وبالنتيجة تحول الشارع الأسلامي لحزبين متعارضين ، وجمهورٌ واسع غير منظم يبحث عن التوحيد ، أو على الأقل التوازن وعدم التصادم المسلح ، أنه جمهور عمر ـ علي الأكثر عدداً ، المستهدف من الجميع . لذلك كانت الدعوة لمشروع جديد هاجس المناضلين القوميين " أستنهاض المشروع القومي النهضوي بأعتباره الأساس الجامع في مواجهة محاولات التفتيت المذهبي والطائفي ورفض الأنجرار الى تلك الصراعات الخطيرة التي تدفع اليها القوى المعادية للأمة ـ من بيان اللجنة المركزية ـ الدورة الرابعة لحزب الأتحاد الأشتراكي الديمقراطي ـ سوريا "
ومن تجاربنا ما يثير الألم .. فالقوة يجب أن تخضع للعقل ، فيما تنقلب كل المبادىء الأساسية رأساً على عقب وتتغير البديهيات ، ويخضع العقل لسيطرة القوة ، وبدل أن يكون لنا سلاح في خدمة العقيدة والأهداف ، أصبح لدينا عقيدة في خدمة السلاح وما يجره السلاح الذي لايتحكم فيه العقل ، أو على الأقل تتحكم فيه عقول فاسدة تهوى الدمار والدم ومد جذورها خارج الحدود وخارج الوطن عبر البحار والمحيط !! وبدل أن يخلق العقل ثقافة بين الناس ، لتهيمن ثقافة الأمة الواحدة على أسلوب الحكم وألياته وخصوصياته ، تمكن العنف من بناء سلطاته والأستحواذ على الكثير من المرافق .. وعلى سبيل المثال فإن ـ فتح ـ مؤسسة عسكرية هدفها تحرير الأراضي المحتلة ، كذلك هي ـ حماس ـ ، ومن ثم ترك السلطة والحكم الى الشعب ـ وكان ذلك يوم كانت هناك مرجعية قومية على مستوى الوطن العربي ـ في حين أن كليهما ـ وغيرهما على مستوى الوطن الكبير ـ تحولتا لأجهزة قمع وميليشيات تتصارع فيما بينها على السلطة أو جزءً من السلطة ـ لايهم ـ فالمهم أن تكون هناك نتائج تفرز أرباح ولو على حساب القضية .
ويراودني هنا الفرق الكبير والشاسع بين حدثين وثورتين عظيمتين في الوطن العربي ، هما ثورة يوليو ـ تموز 1952 وثورة يوليو ـ تموز 1958 ، ففي حين تحول عبد الناصر من الرجل العسكري الى المفكر ، والباحث ، والمنظر والقائد الجماهيري .. متخلياً عن رتبته العسكرية ، وبزته العسكرية ، وأصبح مرجعية لها أيدلوجيتها ونتاجها الفلسفي ، وتجاربها السياسية والأقتصادية .. بل وحتى العسكرية بما فيها من الخطأ والصواب ، ذلك لأن عبد الناصر أمسك بالعقل والفكر وتغليبهما على القوة لأخضاعها وقيادتها لمصلحة البناء والنهضة .
فيما أنبرت ثورة تموز 58 من خلال قادتها ـ قاسم ـ لتمسك بالقوة وتتصرف بالعنف ، والتباهي بالبزة العسكرية والرتبة العسكرية ، يدور بعيداً في دائرة صغيرة ، ولم يتمكن من أن يتحول الى دائرة العقل بدلالة قلة تجاربه ومشاريعه السياسية الديمقراطية ، وخلو تأريخه من أي أرث فكري أيدلوجي محدد .
وبعض الحركات السياسية الأسلامية الحالية لم تستطع أن تتجاوب مع النهج الفكري والسياسي للحركات السياسية في الأسلام ، كالثورة الحسينية ، والمعتزلة ، والقرامطة ، والزنوج ، والزيدية ( ثورة الأمام زيد ) وغيرها ، ولامع الفكر الأسلامي الحديث الذي لأبو الأعلى المودودي أو الأمام الخميني الذي أعتبر الرأسمالية شيطانٌ أكبر .
وتحولت التعددية في عالمنا العربي لسلاح بيد المرابين والمقامرين بأمن الوطن وأمن مواطنيه ، وفشلت فشلاً ذريعاً أن تكون مرتكزات أو منابر أو حتى ملتقيات ثقافية وعلمية للدراسة والتحليل والتدبر ، ويفزع السياسيون من المشتركين في العملية السياسية في العراق من بعض العناوين التي يجب أن تترافق مع الديمقراطية ـ كالمعارضة ـ ( في أحد لقاءات اللقاء الديمقراطي جرى كلام مطول عن هذا الموضوع ، وكان رأي ـ القوى المستفيدة من العملية السياسية ـ الدعوة لآعتبارهم شركاء في العملية السياسية ، ويبلور هذا الأمر بوجود معارضة فولكلورية أو ممسوخة وفقاً لرأي عبد الناصر) .
ومن الأدلة الواضحة على فشل تجربة التعددية بالتعبير عن الواقع السياسي ، الفشل للحركات والأحزاب السياسية العريقة التي تمتلك الأستراتيجية الواضحة والبرنامج السياسي والفعالية الفكروية المتعددة والمتجددة في الأداء ـ الأنتخابي ـ ، وأقصائها ، وعزلها ، وتحجيمها في الأجراءات العملية لفكرة الديمقراطية الغربية ـ المعربة ـ وتعددية الأحزاب وتداول السلطة ، ليس لضعفٍ في شعبية تلك الحركات ، وإنما بسبب الطوق المفروض على تلك الحركات ، فالحزب الشيوعي العراقي لم يتمكن في ـ الأنتخابات العراقية ـ التي جرت تحت هيمنة الأحتلال ، لم يستطع أن يجني أكثر من مقعدين فقط من أصل 275 ، وهو صاحب السبعون عاماً ونيف وصاحب نظرية سياسية وثقافية ، وإذا ما برر ذلك بهيمنة الفكر الطائفي فإن ذلك سوف يكون غير مقنعاً على الأطلاق إذا ما قورنت هذه النتائج بغيرها في أنتخابات برلمانية أخرى في أقطار عربية أخرى ، لاتخضع للتوجهات الطائفية وربما الدينية أيظاً ، ففي مختلف هذه الأقطار لم يتمكن الشيوعين أو القوميين أو الناصريين والأشتراكيين من الوصول الى وجود حقيقي ومؤثر في ـ البرلمانات ـ العربية ، ناهيك الأكثرية ، فكيف إذاً يتم تداول السلطة إذا ما أمسكت بها وحوش وكواسر ووقعت في فك الذئاب ؟
أن ذلك حلم يشبه أحلام العصافير ، لأن الفكر الجبري الجديد ، المغامر والمقامر توافقت إراداته مع الإرادات ـ الكبرى ـ ، أما فرضيات وصول حركات معينة أخرى للحكم ، فلا يكاد يختلف عن عن سياسة خلق ـ المبررات ـ لآتمام تنفيذ مخطط الهيمنة والأحتلال ، وإحدى صور خلق المبررات فوز حماس في الأنتخابات الفلسطينية ، الغرض منها أمرين أحتواء حماس أو تدميرها وتصفية وجودها نهائياً ولو بأسلحة فلسطينية من الجبرية الفلسطينية المتعاونة مع العدو والمدعوم أمريكياً بما يقارب 90 مليون دولار أمريكي ـ للحرس الرئاسي ـ زائداً الدعم الرجعي الجبري العربي الجديد ـ الأنظمة المعتدلة ـ من أجل خاطر عيون ـ السلطة ـ .
أن أي ـ خرق ـ وطني للعملية السياسية في أيٍ من بقاع محور الدول ـ المعتدلة ـ سوف يعامل بالصورة ذاتها التي عوملت بها حماس ، وسوف تكون الموانع شديدة جداًً للحيلولة دون ذلك
كما يجري في لبنان في أتجاه حزب الله وغير حزب الله من الذين لاتتوافق مساراتهم وأهدافهم مع الصيغة ـ الديمقراطية الغربية المعربة أو المستعربة ـ التي تشغل أهتمام البيت الأسود الأمريكي على غرار النموذج ( الأسرائيلي ) الذي ـ بشر ـ به بوش مؤخراً ؟
فالأنقلابيون ، المقامرون بشعوبهم وأوطانهم ، والمغامرون بحياة الأبرياء وأموالهم وشرفهم ، هم وحدهم تجني عليهم الديمقراطية ـ أرباحها ـ وفوائدها !!؟ لفإذا كانت الحكومات والأنظمة ـ المغلقة ـ تفرض التوريث ، فإن ما فرضته الديمقراطية الغربية بشكلها القديم ـ الجديد ، الذي طوحت به فيما سبق ثورة يوليو 52 وثورة تموز 58 وغيرهما من ثورات العرب ، المزيد من التجزئة والدكتاتوريات والقواعد العسكرية والهيمنة الأقتصادية التي تهيمن على ثروات الشعوب وتسرق ثرواتها ( وهذه المرة عيني عينك دون خوفٍ أو حياء بدليل أن بوش وهو يحاول أن يقنع الشعب الأمريكي ـ بسياسته ـ في العراق يعدد أنجازاته من هذه الحرب .. نقل الأرهاب بعيداً عن الولايات المتحدة ـ الى العراق ـ وثانيهما ( ما يؤكد صحة أستنتاجنا ) .. قانون النفط الجديد ؟ )
ولترويج ـ بضاعتهم ـ أستخدموا كل الوسائل التقليدية وغير الشرعية ، وعادوا للتركيز عل أمور غير جوهرية أشبه ماتكون بالثرثرة الجوفاء التي تهدف الى الأبتعاد عن الواقع الأجتماعي والصراع السياسي ـ غالب هلسا ـ نفي الظاهرة .
فكانت من جملة هذه الثرثرات الجوفاء ما يسمى بالنبوءات والتنجيم ـ حتى صار لهذه ـ المهنةـ المستهجنة فضائيات وأعلام ـ ويستخدمها الجهاز الأعلامي لسلطات الفكر الجبري ـ المعاصرـ ، فكانت في ليلة 2 تموز يوليو ـ مساء الأول منه ـ في الـ ـ lbc ـ حديث لأحد ـ المنجمين المتعلمين ـ يسوق فيها لمشاريع التقسيم والتجزئة ، فيدعي تحول العراق لثلاث فيدراليات ، وتحول عدوى الفيدراليات الى سوريا ولبنان والأردن وفلسطين ، وهذا مسلك أصاب هذه المدرسة منذ أمد بعيد ، ومسلك المدرسة الثورية بالضد منه منذ زمنٍ بعيد :
" قال بعض صحابة علي أبن أبي طالب حينما أراد الخروج لقتال الخوارج : إن خرجت ربما لم تظفر بمرادك من طريق علم النجوم فقال :
" أتزعم أنك تهدي الى الساعة التي من سار فيها صُرف عنه السوء . وتخوف من الساعة التي من سار فيها حاق به الضر ؟ فمن صدق بهذا فقد كذب القرآن وأستغنى عن الإعانة بالله في نيل المحبوب ودفع المكروه . وتبتغي من قولك للعامل بأمرك أن يوليك الحمد دون ربه لأنك بزعمك أنت هديته الى الساعة التي فيها النفع وآمن الضر .
ثم أقبل على الناس فقال :
" أيها الناس أياكم وتعلم النجوم إلا ما يهتدى به في بر ٍ أو بحر ٍ فأنها تدعوا الى الكهانة ، والمنجم كالكاهن ، والكاهن كالساحر ، والساحر كالكافر والكافر في النار . سيروا على أسم الله"
كما تم العودة لبعض الوسائل ـ القديمة ـ التي كافحتها الحركات الثورية ، وأهمها الثأثير القبلي والعشائري على العقلية العربية بشكل عام ولدى طائفة المثقفين والسياسين ، أن عودة هذه الظواهر ( ومحاولة ) بعض الأطراف ( الوطنية ) الأنسياق معها ردة خطيرة على المبادىء الأساسية ، ويجب أن يكون واضحاً أن هذا الفكر العشائري والقبلي يتسع نفوذه بأستمرار مع توسع حالات الأستبداد الداخلي والخارجي ، ناهيك عن التنافر ما بين الديمقراطية كحق شخصي لكل مواطن ، مع الحق ( الدكتاتوري ) لرئيس العشيرة أو القبيلة في أتخاذ القرارات من قبله والطاعة من أفراد العشيرة . أن التأثير القبلي والعشائري يضمحل أو يتراجع عند قيام أنظمة حكم وطنية ، وكان تأريخياً أول تراجع لهذا الفكر عند قيام الدولة الأسلامية في أول عهدها ( و سنرى تفكيك القبلية في مقابل تضامن المصالح عند بداية الدعوة حيث تجول الصراع الى وجهه الحقيقي فكثيرون من افراد القبائل التي لم تدخل حلف الفضول اسلموا ووقفوا بجانب النبي بينما نجد ان هاشم نفسها لم يدخل منها في الاسلام الا فقراؤها و عندما ننظر الى الهجرة الاولى الى الحبشة سنجد المسلمين فيها يمثلون قبائل كثيرة تصطرع على السلطان و الحكم بوضعها القبلي و قد جمع الاسلام هؤلاء المسلمين في موقف فكري و عقائدي ، جمعهم وراء العقيدة الجديدة و ما تمثله من نصفة المعوزين و الفقراء ـ احمد عباس صالح ـ الصراع بين اليمين و اليسار في الاسلام ـ الكتل السياسية في مكة) ، وفي تأريخنا الحديث فأن التأثير العشائري قد أختفى ولم يكن له أي وجود في فترة الحكم الناصري ولم يذكر لنا تأريخ الثورة الناصرية وجود مؤثر عشائري على القرارات السياسية للثورة ، وسارت الحكومة الوطنية لثورة تموز 1958 على نفس الوتيرة ، مع الأخذ بالأعتبار أن للعشائر العراقية تأثيراً أكبر في السياسة العامة ، كما كان لها تواجد فعلي ومهم في مواجهة الأحتلال العثماني ومن ثم البريطاني .
التجربة الناصرية :
من خلال التجربة الناصرية الممتدة من يوليو 52 ولغاية سبتمبر 70 ، فإن مهمة قيام تنظيم سياسي جماهيري كان المهمة !؟لأكثر تغييراً وتطويراً ، حيث كانت أحدى أهم الوسائل في النظرية الناصرية ، المراجعة المبنية على مبدأ الصواب والخطأ ، مما يعني تعزيز الصواب ورفده بأسباب القوة والمنعة .. والأمتداد ، وهو ما يطلق عليه اليوم ـ بالأصلاح ـ الذي أستدركه البعض متأخراً ! كما يعني ذلك من خلال التطبيق السليم للنظرية ، محاربة الخطأ أو تقويمه ـ معالجة الفساد ـ ، ورغم أن عبد الناصر وفقاً لـ (محاضر أجتماعات عبد الناصر العربية والدولية 1967 ـ 1970 لعبد المجيد فريد ) قد أقتنع ـ مؤخراً ـ بضرورة وجود حزب أخر معارض ، إلا أنه لم يصرح ولم يطرح التعددية التي تعييد الأوضاع السياسية الى ما قبل 23 يوليو 52 ، والذي يعني تراجعاً عن صيغة الثورة وأهدافها ، في حين أن الصيغة التي أشار اليها عبد الناصر من خلال تلك المحاضر ـ تأمين أستمرارية الثورة وتأمين بنائها ـ من خلال مبدأ الخطأ والصواب كما أشرنا .
وللتدليل على صحة أستنتاجنا أن عبد الناصر كان قد حدد شروطاً أساسية لهذه التعددية وأهمهما شرطان :
الأقرار بمشروعية العملية السياسية الثورية للشعب المصري والتي حددتها الأهداف الستة للثورة والميثاق والتي تتركز على الأختيار القومي الوحدوي والأختيار الأشتراكي ، فقد قال في مناقشات اللجنة المركزية إثناء تلك المناقشات وهو يتحدث عن ـ عبد اللطيف بغدادي وكمال حسين : " وكلاهما أصلاً منا وسبق أن وافقا على الميثاق ، ونسمح لهما بتكوين حزب معارض ونسمح لهما بجريدة تعبر عن رأي الحزب ."
لقد أستطاع عبد الناصر بخلاف غيره من السياسيين العرب ، أن الأساس الذي تقوم عليه الديمقراطية في الدول المتقدمة يقوم على أساس الأتفاق ، أو بالتحديد الحفاظ على الثوابت الأساسية للدولة ( بالدقة الحفاظ على الأختيار الأساسي للشعب في توجه الدولة نحو نظام رأسمالي أو نظام أشتراكي ) والأخذ بالأختلاف على الأساليب في التنفيذ ، وبذلك تكون هذه التعددية ضمن الأطار العام للدولة ، مما يعني الحفاظ على الأهداف الأستراتيجية والبنى التحتية للدولة التي سوف تتكون من مؤسسات ثابتة لها أستراتيجيات عمل مستقل يرتبط بالمفاهيم العامة ويكون هناك مسارين في أطار واحد ومدرسة واحدة ، وأعتماد الأسلوب الديمقراطي المعبر عن ـ تحالف قوى الشعب العامل ـ الذي أقره الميثاق ، وقبل بمضمونه ( الحزب الأخر ).
أن هذه التعددية تقطع الطريق على الأحزاب الفاسدة والعميلة والطبقية والطائفية والعنصرية ، ومعنى هذا ـ عدم السماح بقيام شبكات تحت يافطة الأحزاب تعرض السلم والأمن الأجتماعي وتقود للأنفلات والفوضى والتمزيق ، وقد جاء الشرط الثاني ليؤكد الصورة الواضحة لما قلناه حول الأطار الثابت للدولة وأستراتيجيتها من خلال حديث عبد الناصر في جلسة اللجنة المركزية للأتحاد الأشتراكي في 4 / 7 / 1967 و 3 / 8 / 1967 ، حيث قال : "طبعاً التغيير الذي أقصده لايمس أتجاهنا الأشتراكي ، لأننا في الحقيقة نكاد أنتهينا من التطبيق الأشتراكي في أغلب القطاعات بأستثناء قطاع المقاولات وقطاع التجارة . وبعد ذلك يبقى عملنا مركزاً أساساً على خطط التنمية التي نضعها وعلى متابعة تنفيذها ."
ويمكن أن يفيد القول الأخير بوجود ـ مرجعية او مرشد أو قائد ـ يراقب العملية السياسية ، ولكن هذا لم يكن مكنون كلام عبد الناصر ، فالمرجعية بالكامل للشعب ولايمثلها إلا الشعب من خلال مؤتمراته !! التي يجب أن تتكون للمراقبة على أنها المؤسسات المستقلة ومهمتها الحفاظ كما أسلفنا على هيكل الدولة وعلى الأمن والسلم الأجتماعي .
لقد ترافق بناء التنظيم السياسي في الفترة الناصرية مع التجربة على الأثراء والتجديد ، حتى قبل الدعوة لـ ( ثورة ثقافية كاملة ) مما يدلل على تجدد الفكر الناصري على ثوابته الأساسية في العدالة والمساواة " وللناصرية فكرها الذي سجلته مواقفها وكان بحثاً متصلاً وخلاقاً عن مصر وعن أفضل طرق ومناهج الخلاص ، وتطور هذا الفكر بين منشورات الضباط الأحرار قبل الثورة إلى أعلان المبادىء الستة بعد نجاحها مباشرة وإلى كتاب فلسفة الثورة في منتصف الستينات إلى نقطة التحول في الميثاق الوطني وأعلان الأشتراكية ، ثم بيان 30 مارس بعد النكسة وبداية الثورة على الثورة .. وفي النهاية مناداة عبد الناصر بثورة ثقافية كاملة قبل وفاته بقليل ـ محمد عودة ـ ناصريون وماركسيون .. الإفتراء على الناصرية والجهل بالماركسية "
أن التجربة الحاضرة للتطبيق الفعلي ـ للديمقراطية الغربية المعربة ـ بالأضافة لواقع التدخل الغربي الرأسمالي في شؤون المنطقة ، وتزايد النفوذ الرأسمالي والأمبريالي والصهيوني الموحد والمشترك ، وحصول خطر التدخل على أرض الواقع بشكله العلني السافر والكامل في العراق ، وبأشكاله المختلفة في الصومال والسودان .. وغيرها من التدخلات عبر ـ مسؤولين كبار وصغار وعبر سفارات وعبر المخابرات المركزية والموساد وما أليها ، وعبر الشركات والأحلاف والأتفاقيات والمؤتمرات والمؤامرات .. و.. و.. الخ . فإن التعددية التي آلت اليها ـ التجارب الديمقراطية ـ أدت فيما أدت إلى المزيد من الأنشطارات والتمزيق ، في المجتمع وفي الحركات السياسية ، مع خلو تلك الأنشقاقات في الجانب السياسي من أسس فكرية ، ولايتعدى الخلاف سوى الصراع حول سلطة الحزب وقيادته .
ولقد أراد عبد الناصر لشكل التنظيم الذي ظل يجدده خلال تجربته الرائدة ، أن يكون شاملاً للأفكار والعقول الوطنية والأشتراكية .. لذلك ‘ فأنه لم يتردد لحظة واحدة عند أنظمام الشيوعيين الى الأتحاد الأشتراكي بعد أن قرروا حل حزبهم " وحينما حمل أحد أقطاب الثورة واليسار الماركسي إلى عبد الناصر قرار الماركسيين بألأندماج في الثورة ، وحل الحزب الشيوعي المصري قال له عبد الناصر على الفور " الأن نستطيع أن نبني الحزب الثوري الذي يظمنا جميعاً ـ محمد عودة ـ نفس المصدر السابق "
وأراد عبد الناصر أن يضع الأنسان المصري والعربي أمام مسؤلياته السياسية من خلال هذا التنظيم وأن يفرض هذا الأنسان ـ المؤمن أحاسيسه وطموحاته وأفكاره ، بعيداً عن تقنينه " وقد توجهت كل ـ النظريات العقائدية ـ لتقنين حركة الأنسان في أتجاه تغيير واقعه وصولاً إلى خلق واقع جديد ، يعطي لحركته مضمونها الأفضل .. ولكنها جميعها سقطت لأنها أرادت أن تضع هذه ـ الحركة ـ ضمن ( قوالب فكرية ) تجمد حركة الأنسان ضمن معطياتها .. الفكرية .. والحركية ، دون أن تضع في أعتبارها أن " الأنسان " بفعله الأرادي قادر على تجاوز كل " القوالب الفكرية " والغائها .. وقد نجح الأنسان في أثبات حريته في " حرية الأختيار " و" حرية الحركة ـ تجربة أنسان العالم الثالث ـ الذي رفض الأختيارات الفكرية والحركية التي أريد بها " تعليب " تجربته الذاتية ضمن معطيات هذه النظرية .. أو تلك ! واضعاً " بفعله الأرادي " على أرض واقعه معياراً يستمد منه " الأفاق النظرية " التي تنبثق من الواقع لترشيد حركة الأنسان الآنية والمستقبلية من أجل تغيير " واقعه ، ورسم إطار مستقبله ، لتكون تلك الأفاق النظرية ـ متمثلة في أنصهار العقل الأرادي " التجربة " مع الواقع المعاش ، ومحصلة لتفاعلها ـ تطبيقاً للمقولة الناصرية : لقد كان أعظم الملامح في تجربتنا الفكرية ، والروحية . أننا لم ننهمك في النظريات بحثاً عن حياتنا .. وإنما أنهمكنا في حياتنا ذاتها بحثاً عن النظريات ـ جمعة الفزاني ـ الأنسان والتنظيم والثورة ـ مجلة الشورى سبتمبر 1975 "
وبناءً على كل ما أوردنا من براهين على الأتجاه في البناء السياسي الذي خلص له عبد الناصر وخصوصاً من الأجتماعين الأخيرين ( قبيل وفاته ) للجنة المركزية للأتحاد الأشتراكي فإن هناك ملاحظات أخرى :
· قبل أن تبرز في عالمنا العربي فكرة التوريث ( في الأنظمة المقفولة ) نبع عبد الناصر إلى النظام المقفول الذي " سيؤدي بنا في النهاية إلى نظام التوريث " .
· كما حدد خطراً ثانياً تحت عنوان " النظام بياكل نفسه " أو ما يمكن أن نسميه " الثورة تأكل أبنائها " ، فيما لاأجد غرابة من ـ الصراع ـ داخل التنظيم إذا ما قنن هذا الصراع الناتج عن الأختلاف في المعالجات إذا كان لابد منه بعيداً عن العنف والتشطر .
· أن العودة لأسلوب الديمقراطية القديمة ، يوحي بالخطأ بأنحراف الثورة وهذا لم يكن من حسابات عبد الناصر ، عبد الماصر يبحث عن طريق ثالث ، بعيداً عن سلبيات النظام المقفول وعن سلبيات النظام الديمقراطي التقليدي ، أي بين الأجراءات الأمنية ـ الشديدة ـ التي تحتاجها طبيعة المرحلة الأولى للثورة ومستوى التأمر الداخلي والخارجي الذي واجهها ، وبين الفوضى وسيطرة طبقة معينة على على كامل الحرية في الهيمنة والتنفذ وتداول السلطة بين أفرادها وحدهم .
· أن نوع التنظيم السياسي الناصري رغم اقرار الناصرية بالأختيار الأشتراكي وأنحيازه للعمال والفلاحين والطبقات المحتاجة ، فأنه لايتصرف بالأنتقام من الطبقات الأخرى أو حرمانها من المشاركة السياسية .. الهدف أولاً الأرتقاء بالمستوى المعاشي والثقافي للطبقات الفقيرة وتمكينها من أمتلاك وسائل الأنتاج أولاً وحمايته من خلال قوة سياسية تنظيمية ، وديمقراطية لكل طبقات الشعب وفئاته ، وخير دليل ماجاء على لسان الزعيم الخالد حين قال :
ديمقراطية كل الشعب معناها أن نكون مسؤولين عن بناء كل فرد من أفراد الشعب بناءً سياسياً سليماً ، ومعناها أيضاً أن لاتجعل طبقة تتحكم في طبقة أخرى مهما كانت وعلى جميع المتويات .
ختاماً يجب أن نحاول البحث عن كل ماهو مفيد من تأريخنا من التجربة الناصرية التي ألمت بذلك التأريخ كله ولتأكيد زعمنا هذا نذكر ببعض أقوال المجاهدين الأوليين بالديمقراطية ، فقد قال عمر بن الخطاب : لاخير في أمرٍ من غير شورى .
قال علي بن ابي طالب : من استبد برأيه هلك ، و من شاور الرجال شاركها في عقولها.
بغداد العروبة 10 تموز يوليو 2007
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : دراسات | السمات:دراسات
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























