الناصرية الاختيار الثالث /2/ .. حسين الربيعي

كتبهاالتيار العربي ، في 8 تموز 2007 الساعة: 08:11 ص

الناصرية .. الأختيار الثالث
 
ثورة يوليو بوابة مرور لعصر الجماهير
 
رؤيا في الديمقراطية والتنظيم السياسي
 
( ثانيا )
 
حسين الربيعي
 
 
"وبقي رجالٌ غض ابصارهم ذِكر المرجع . و ارق دُموعهم خوف المحشر . فهم بين شريدٍ نادٍ. و خائف مقموع . و ساكت مكعومٍ . و داعٍ مخلصٍ . و تكلان موجع . قد اخملتهم التقية و شملتهم الذلة فهم في بحر اجاجٍ .افواههم ضامرة و قلوبهم قرحة . و قد وعضوا حتى ملوا . و قُهروا حتى ذلوا.و قتلوا حتى قلوا ، فلتكن الدنيا في اعينكم اصغر من حثالة القرظ و قراصنة الجم. و اتعظوا بمن كان قبلكم قبل ان يتعظ بكم من بعدكم . و ارفضوها ذميمة فإنها قد رفضت من كان اشغف بها منكم"              علي بن ابي طالب
 
 
أ ـ النظام السياسي عند العرب قبل الأسلام :
 
أن خير ما توفر عن الطريقة التي كان يتم بها تنظيم الحياة السياسية عند العرب قبل الأسلام ما كتب بقلم الأستاذ أحمد عباس صالح في دراسته المشهورة في الصراع بين اليمين واليسار في الأسلام حيث شرح بالتفصيل الموقف السياسي عند العرب في مكة تحت عنوان " الكتل السياسية في مكة " وتلخيصاً للفقرات التي تهم موضوعنا ووفقاً لما نجده مفيداً في مسعانا نذكر أهم الأستنتاجات :
 
1 ـ تتولى السلطة في مكة الحكومة المكونة من عشرة رجال يمثلون القبائل المختلفة في الظاهر ، ولكنهم في واقع الأمر يمثلون القوة المالية التجارية للمجتمع المكي ، وكانت" قوانين تحمي الملكية الخاصة حماية مطلقة" ، "ومكة على أي حال لم تكن إلا مركزاً من مراكز التجارة الهامة ، ومكاناً تجتمع فيه القبائل العربية المختلفة للحج والعبادة" . والقوانين والقرارات التي تصدرها الحكومة تنفذ بواسطة "القوة التي يستندون اليعا ، وهي قوة مادية ومعنوية مادراً ما بطل أثرها في تنفيذ الأحكام ونفاذ القرارات "
 
2 ـ " صراع السلطة في مكة قديم ، وقد لجأت الى نظام الحكم الأولجارتي هذا أخيراً ، إذ كانت تخضع قديماً لسلطة رجل واحد وهو قصي عبد شمس الذي خاض عدة حروب مع خزاعة وبني بكر حتى تمت له السيطرة التامة على مكة . ولكن بعد وفاة قصي بدأ النزاع بين أبنائه وأحلافهم" " وأشتعلت الثورة ضد عبد الدار ـ الأبن الأكبر لقصي ـ تزعمها بنو عبد مناف وأنقسمت قريش بين مؤيد لبني عبد الدار وبين مؤيد لبني عبد مناف "
 
3 ـ نتيجة لهذا الصراع برز حلفان .. لعبد مناف "وأخرج بنو عبد مناف جفنة مملؤة طيباً ، فيزعمون أن بعض نساء بني عبد مناف أخرجتها لهم . فوضعوها لأحلافهم في المسجد عند الكعبة ، ثم غمس القوم أيديهم فيها فتعاقدوا وتعاهدوا هم وحلفاؤهم ، ثم مسحوا الكعبة بأيديهم توكيداً على أنفسهم ، فسموا المطيبين" ، ولعبد الدار "وتعاقد بنو عبد الدار ، وتعاهدوا هم وحلفائهم عند الكعبة حلفاً مؤكداً على أن لايتخاذلوا ولايسلم بعضهم بعضاً ، فسموا الأحلاف"
 
4 ـ "ومضت الأمور على هذا التقسيم الذي نقلت فيه السلطة من حكم الفرد الى حكم الصفوة أو الأوليجارتية ولكن الصراع على السلطة ما زال قائماً يغذيه نجاح فريق في التجارة ونمو ثروته وبالتالي طموحه الى السلطة ، ومن هنا بدأ الفريق الأقل ثروة يتكتل ليقاوم سلطان الثروة الجديد ، ولهذا نشأ حلف الفضول من بني هاشم وبني عبد المطلب وأسد وزهرة وتيم" . ومنشأ حلف الفضول يراه الباحث "مونتجمري وات" أنه "تطور لحلف المطيبين القديم وأمتداد له"
 
5 ـ أنقسمت الكتل السياسية في مكة الى ثلاث كتل أو مجموعات وهي (ا) "هي التي تظم أعضاء حلف الفضول مضافاً اليهم عدي والحارث بن فهر " (ب) "عبد شمس ونوفل وأسد وعامر" (ج) "مخزوم وسهم وجمح وعبد الدار" .
 
6 ـ تكونت حكومة جديدة بسبب هذا الصراع "وإذا رجعنا لتشكيل الحكومة وجدنا أن لأعضاء حلف الفضول فيها ثلاثة أشخاص فقط هم : العباس بن عبد المطلب ، ويزيد بن زمعة ، وأبو بكر الصديق . أما بقية الحكومة فمن غير المشتركين في الحلف وسنجد أيضاً أن الوظائف الأساسية في حكومة العشرة موزعة على هؤلاء السبعة" .
 
7 ـ أصبح واضحاً أن حلف الفضول كان تعبير لإرادة القوى المهمشة من قبل الجماعات الأخرى وأنه "على كل حال فحلف الفصول حلف سياسي الغرض منه مواجهة تكتل أخر لاحماية المظلوم الغريب فحسب" .
 
ومن الجدير بذكره أن الرسول محمد (ص) قد شهد نشوء حلف الفضول ويروى عنه أنه قال : لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفاً ما أحب أن لي به حمر النعم ولو أدعي به في الأسلام لأجبت .
 
"وسنرى تفكيك القبيلة في مقابل تضامن المصالح عند بداية الدعوة حيث تحول الصراع الى وجهه الحقيقي فكثيرون من أفراد القباءل التي لم تدخل حلف الفضول أسلموا ووقفوا الى جوار النبي بينما نجد أن هاشم نفسها لم يدخل منها في الأسلام إلا فقراؤها وعندما ننظر الى الهجرة الأولى الى الحبشة سنجد المسلمين فيها يمثلون قبائل كثيرة تصطرع على السلطان والحكم بوضعها القبلي وقد جمع الأسلام هؤلاء المسلمين في موقف فكري وعقائدي واحد ، جمعهم وراء العقيدة الجديدة وما تمثله من نصفة المعوزين والفقراء"
 
وهنا أود أن أنوه الى مقالنا الموسوم " الديمقراطية الأختيار الثالث " الذي نوهنا فيه الى تضامن المصالح المعيشية والأقتصادية فوق التضامن المذهبي أو الطائفي أو حتى القبلي والعشائري الشائعة الأن على الحياة السياسية العربية .
 
وربما كان هذا الرأي في طريقة الحكم التي كانت سائدة فوق البقاع العربية متفق عليه مع بعض التعديلات التي تتوافق مع الميول " السياسية " للمؤرخين ، فمثلاً نقرأ الجملة التالية بقلم الشيخ صفي الدين المباركفوري في دراسته الموسومة بالرحيق المختوم : فالأقطار الثلاثة التي كانت مجاورة للأجانب ، كانت حالتها السياسية في تضعضع وإنحطاط لامزيد عليه ، فقد كان الناس بين سادة وعبيد ، أو حكام ومحكومين ، فالسادة ـ لاسيما الأجانب ـ لهم كل الغنم ، والعبيد عليهم كل الغرم ، وبعبارة أوضح إن الرعايا كانت بمثابة مزرعة تورد المحصولات الى الحكومات ، فتستخدمها في ملذاتها وشهواتها ورغبائبها ، وجورها وعدوانها . أما الناس فهم في عمايتهم يتخبطون ، والظلم ينحط عليهم من كل جانب ، وما في أستطاعتهم التذمر والشكوى ، بل هم يسامون الخسف والجور ، والعذاب الواناً ساكتين . فقد كان الحكم أستبدادياً ، والحقوق ضائعة مهدورة ، والقبائل المجاورة لهذه الأقطار مذبذبون ، تتقاذفهم الأهواء والأغراض . مرة يدخلون في أهل العراق ، ومرة يدخلون في أهل الشام وكانت أحوال القبائل داخل الجزيرة مفككة الأوصال ، تغلب عليها المنازعات القبلية ، والأختلافات العنصرية الدينية.
 
النظام السياسي بعد الدعوة الأسلامية :   
 
" وكما أمتدت المدرسة الأرستقراطية الأقطاعية ـ التجارية الأسلامية ـ ممثلة في الأيوبين والعباسيين والفاطميين ، ثم في الأمويين ، والمماليك ، والعثمانيين ـ والأخيرون كان حكمهم ذا طابع أقطاعي بحت ـ وأمتدت في غيرهم أيضاً من الحكومات الأقطاعية العربية هنا وهناك ، فإن مدرسة العدل الأجتماعي لم تنقطع أيضاً نهائياً ، حيث أستمرت في شكل حلقات متفرقة ، من علي أبن أبي طالب ، فحركة الزنج ، فحركة القرامطة ، الموجهتين ضد الخلافة العباسية ، الى غير ذلك من الحركات السياسية والفكرية ذات الطابع التقدمي وعلى رأسها التيار المعتزلي العقلاني التحرري ، هذه المدرسة التي لم تكن الناصرية في العصر الحديث ببعدها التراثي العميق ، وبجانبها الروحي والأجتماعي المعتمد ـ في وضوح وجلاء ـ على هذا النوع من التراث التقدمي العربي ـ الأسلامي إلا الأستمرار التأريخي لها ، ولهذه العملية الثورية الأجتماعية الديمقراطية في التأريخ العربي ـ الأسلامي الحافل ـ محمد علي الشهاري ـ تقدمية الدعوة الأسلامية ورجعية الطائفية والعرقية ـ مجلة الكاتب مارس 1974 العدد 156 "
 
أخترت هذه الجملة ذات المعنى الكبير والواسع ، في الدلالة على أهمية التواصل الفعلي مع المسيرة السياسية للأمة العربية منذ أن برزت أهم أحد مظاهرها التقدمية في ما حملته الدعوة الأسلامية ، من معاني الثورة على الواقع الأجتماعي والأقتصادي والسياسي القائم آنذاك في المجتمع العربي ، وفي المجتمعات " الأمبراطورية " الملتفة حوله وعلى حدوده ، وما أسفرت عنه هذه الدعوة في قلب العملية السياسية التي تحكمت بموازين القوة ، وما حققته هذه الدعوة من إنقلاب حقيقي على التمثيل السياسي في السلطة الخاضع لإرادة الأستبداد الطبقي من فئة التجار والأثرياء وبعض رؤساء القبائل المتنفذين كما توضح لدينا من الفقرة (أ) من الجزء الثاني .
 
وكما أن تجربتنا القومية الحديثة كما أسلفنا سابقاً لم تأتي من فراغ ، وكما هي كل التجارب الجماهيرية الأصيلة .. فالبناء لم يكن فوق فراغ أو على أرضٍ رخوة .. فهو عند ذاك لا يحتمل الأستمرار والصمود في وجه المتغيرات ، كما أن تجارب الفترة المكية أيضاً لم تأت من فراغ ، فالتجارب على المستوى القومي الأكثر غوراً في التأريخ كثيرة ومتعددة ، فقد برزت في العديد من الأحداث والأساطير ما تضمنت الثورات والأنتفاضات الشعبية ، كما كانت توجد مستويات تنظيمية متعددة ، وقد برزت هذه الرؤى والمنظورات السياسية والثورية والفلسفية في ملحمة كلكامش وغيرها ، كما تضمنت قصص القرأن الكريم العديد من الأخبار عن الظلم والأستبداد ، وظهور الأديان لم يكن إلا شكلاً من أشكال الثورة المنظمة : " والأديان نفسها التي كانت في المراحل المبكرة والوسيطة من التأريخ البشري تمثل الأطار العام لمجموعة أفكار الناس ، أو الأساس الأيدلوجي لها حسب التعبير المستعمل في عصرنا " محمد علي الشهاري ـ نفس المصدر المذكور له.
 
وقد جاءت ثورة الأسلام تتويجاً لعدة "حركات" و"أنتفاضات" شهدتها الأرض العربية ، وقد كانت المرحلة الأسلامية الأولى تتكون من حلقتين أولهما بداية الدعوة وأقامة الدولة الأسلامية بقيادة الرسول الأعظم (ص) ، حيث جمعت الدعوة الأسلامية المؤمنين بالوحدانية وبالعدل والمساوة والشورى في مواجهة الشرك والظلم والأستبداد والتمايز الطبقي والدكتاتوري ، وقد تميز الدين " التنظيم " الجديد بالأنضباطية العالية ، فالكل خاضع لتوجيهات الرسول وتعليماته ، وكانت سنته في تنفيذ تعليمات الإرادة الألهية المجال الوحيد لتطبيق " البرنامج السياسي في مختلف المجالات الأجتماعية والأقتصادية " ، ومع هذه الأنضباطية فقد برزت الشورى كإحدى أهم الوسائل الديمقراطية التي عززت الشعور بالمسؤلية لدى المسلمين الأوائل ، كما شهدت الفترة تطبيق مبادىء العدل الأجتماعي والمساواة ، وأبرز معالمها مؤاخاة المسلمين في المدينة .
 
وثانيهما الفترة الراشدية : حيث تحول نوع الحكم الى الحكم المدني بعد وفاة الرسول وأنتهاء الوحي ، وبدأ الأجتهاد طريقة لتفسير الآيات القرانية وتطبيقاتها ، وأصبح وارداً مسألة الأختلاف في وجهات النظر في شؤون الحكم ، وظهرت مدرستين متباينتين بسبب المصالح والأنتماء الطبقي ، ويتفق أكثر الباحثين التقدميين على أن علي أبن أبي طالب وأبوذر وأبو الدرداء قادوا المدرسة الأشتراكية الديمقراطية ، وقاد المدرسة الثانية بعض من الصحابة . ومع الأختلاف في الأنتماءات الأجتماعية والسياسية بدأت تتكون مدرستين ، يمكن أن تخضعا وفقاً للتفاسير العصرية للفلسفة مابين الفلسفة الوضعية : وهي الفلسفة التي تكتفي بشرح المظاهر الخارجية للظاهرة أو القضاء على " الميتافيزيقيا " أي جوهر الظاهرة أو قانونها السياسي .. وتهدف الفلسفة الوضعية كما يقول مؤسسها أوجست كونت ( 1798 ـ 1857 ) أن الرضوخ التام ، اوالأتجاه الى تحمل الشر الضروري دون أمل في الخلاص لايمكن إلا أن يكون نتيجة للشعور العميق بالقوانين الراسخة التي تحكم مختلف الظواهر " نفي الظاهرة ـ غالب هلسا ـ مجلة الكاتب العدد 158 مايو 1974 وقد أطلق في التأريخ الأسلامي لهذه الظاهرة تسمية ( الجبرية ) وخير ما نفهمه عن الجبرية السؤال الذي يطلقه الكاتب غالب هلسا ويجيب عليه : " فما الذي تعبر عنه الجبرية بنفيها الحرية عن الأنسان وإلزامه الطاعة للحاكم المطلق ؟ " والجواب " إنها تعبير ، فيما أعتقد ، عن طبقة أجتماعية حاولت أن تفرض نفسها على المجتمع ورؤيتها ، وأن تملي على هذا المجتمع كون فكرها ومصالحها هما فكر ومصالح المجتمع " نفس المصدر السبق .
 
وقبل الأسترسال في الحديث والبحث فأنني أريد أن أشير الى السؤال الذي أثاره الكاتب غالب هلسا ،" ولكن هل لهذه الطبقة ـ الجبرية ـ سند من الدين ؟ ونعني بالدين هنا القرآن والسنة .. أن الأفتراض أن ليس لهذه الطبقة سند من الدين يؤدي بنا الى القول : أن هذه الطبقة هجرت الأسلام ، وتخلت عن تعاليمه ، وهذا أمر لم يحدث ، فالعديد من أفراد هذه الطبقة كانوا مؤمنين ، ولم يعرف عنهم أنهم تخلوا عن دينهم أو عن نشر دعوته ، أو أن دينهم كان موضع شكٍ أو مُسألة ، كما أننا نعلم تمام العلم أن خصومهم كانوا ماتزمين بالأسلام أشد الألتزام " أما بماذا نفسر الأختلاف الشديد بين هاتين الطبقتين أو المدرستين ؟ فأننا أيضاً نعود للكاتب نفس لنتبنى تعليله " فهذه الطبقة التزمت بالأسلام كما تفهمه ، أي على النحو الذي يعبر عن مصالحها "
 
" ونستطيع أن نقول نفس الشيء عن ممثلي الثورة الذين أعطوا الأسلام تفسيراً خاصاً يتفق مع نظرتهم . ومنطلق هؤلاء هو حكم الثائرين في كل العصور وهو خلق المدينة الفاضلة على الأرض "
 
والمدرسة الثانية التي يمكن أن نصنفها على مدرسة الفلسفة الجدلية العقلانية
 
لقد شهدت فترة الخلافة الراشدية أختلافاً في التطبيقات فقد " سيطرت هذه الطبقة ـ طبقة أجتماعية حاولت أن تفرض نفسها على المجتمع ورؤيتها ـ في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان . وقد نمت هذه السيطرة بسعة خارقة رغم المقاومة العنيفة التي ووجهت بها . وسبق هذه السيطرة عهد من التوازن الطبقي كانت أجراءات الخليفة عمر بن الخطاب خير تعبير عنه " نفس المصدر السابق . وقد أتسمت الخلافة العمرية بالعدل والمساواة ومحاسبة الولاة والتجار ، وعدم السماح بتولي الأقارب للمناصب الرسمية في الدولة ، ومحاربة مظاهر الترف ، كما كان الخليفة شديد التذكير بأهمية التقرب من الناس " الرعية " وفي كلام لعمر للأشعري واليه في البصرة : " أما بعد ، فإن أسعد الناس من سعُدت به رعيته ، وأن أشقى الناس من شقيت به رعيته ، وأياك أن ترتع فيرتع عملك ، فيكون مَثلُكَ عند ذاك مثل البهيمة نضرت الى خضرة من الأرض فرتعت فيها تبغي السمن وإنما حتفها في سمنها " عمر بن الخطاب حياته وسيرته ـ د. عبد الله الصلالي .
 
ولقد كانت الطريق أمام العدل الأجتماعي واضحة ولالبس فيها في الأسلام " فلقد كان عبد الرحمن بن عوف بالغ الثراء حتى عهد النبي ، فقال له النبي مرة : " إنك غني وما أراك تدخل الجنة إلا زحفاً ، فأقرض الله قرضاً حسناً يطلق لك قدميك ـ غالب هلسا نفس المصدر .   
 
وبعد أن أنتهت الفترة الراشدية بقتل الأمام علي ، بعد أن دام حكمه .. حكم العدالة الأجتماعية والديمقراطية ، كما يتفق أكثر الباحثون التقدميون ، بعد أربع سنوات ، قامت الدولة الأموية ، النقيضة للسلوك الأسلامي الأول المبني على الأختيار ـ أختيار الخليفة ـ وعلى الديمقراطية ـ الشورى ـ وعلى التوازن الأجتماعي والعدل الأجتماعي في أكثر فصوله بينما تحول الحكم الى حكم وراثي مبني على الأستبداد والقمع ، وخير دليل على أن الدولة الأموية ثم من بعدها العباسية وكل الأنظمة الوراثية فيما بعد أنقلاب على مبادىء الأسلام الأولى ما رواه أبن الحصين عن معاوية :
 
يقول أبن الحصين أنه عندما وفد على معاوية ، سأله :
 
"ما الذي شتت أمر المسلمين وخالف بينهم ؟"
 
فقال أبن الحصين متملقاً : "قتل الناس عثمان !"
 
فقال معاوبة : "ما صنعت شيئاًً"
 
فقال أبن الحصين : " فمسير طلحة والزبير وعائشة وقتال علي أياهم"
 
فرد معاوية :" ما صنعت شيئاً"
 
فاعترف الرجل بأن ليس عنده غير ذلك . فقال معاوية :
 
" فأنا أخبرك ، أنه لم يشتت بين المسلمين ولا فرق في أهوائهم ألا الشورى التي جعلها عمر الى ستة نفر ، وذلك أن الله بعث محمداً بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ، فعمل بما أمره الله به ثم قبضه الله اليه وقدم أبا بكر للصلاة فرفضوه لأمر دنياهم إذ رضيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمر دينهم ، فعمل بسنة الرسول وسار بسيرته حتى قبضه الله وأستخلف عمر فعمل بمثل سيرته . ثم جعلها شورى بين ستة نفر ، فلم يكن منهم رجل إلارجاها لنفسه ورجاها له قومه .. ولو أن عمر أستخلف عليهم كما أستخلف أبو بكر ما كان في ذلك أختلاف ."
 
ويبدوا واضحاً مدى أستهجان معاوية للشورى ، ولم يأتي ذلك عن فراغ فلقد كانت كل تلك نابعة من السلوك والفكر العشائري ـ الأقتصادي ـ التجاري المهيمن " وهنالك عشرات الأمثلة وكلها تشير الى أن هذه الطبقة كانت تصوغ فكرها الجبري المرجىء ، بتقصد واضح ، مدروس ـ نفي الظاهرة ـ غالب هلسا "
 
لقد تم الأستيلاء نهائياً على السلطة لصالح المدرسة الجبرية ، ولم تنجح محاولات أصلاحه من داخله بالأنفتاح على الشعب وتبني الديمقراطية كما حدث من قبل المأمون " فإنه كان يفرض هذا الفكر بسلطة الدولة وأجهزة القمع . فأنه من المضحك فعلاً أن ترغم الناس على حرية الأختيار ، ثم تحدد لهم أختياراتهم ـ نفس المصدر السابق "
 
وقد كان للتيار الثوري الرافض للجبرية أثرٌ كبير على حركة العلوم والدراسات العلمية مما يعزز فكرتنا بضرورة سيادة العقل على الشؤون العامة والشؤون السياسية لما تفضي اليه هذه السيادة " وهناك معطيات أخرى تتوحد فيها الشروط المادية والفكرية والتي يمكننا أن نعتبرها تمهيداً لنشوء الصناعة ، من ذلك مثلاً حركة الكشوف العلمية والدراسات الموسعة في مجالات الهندسة والرياضيات والفلك والطب ، والأتجاه نحو تصنيف علمي لقواعد اللغة ، والأحكام الفقهية ، وكتب الأنظمة المالية والتجارية ، وجمع التراث الشعري والأحاديث النبوية ، والموسوعات الفلسفية الخ .. ومن الملاحظات أن معظم من قاموا بهذه المجهودات كانوا أناساً مستبعدين من دائرة السلطة الأقطاعية ـ العسكرية ، أو ممن لاترضى عنهم هذه السلطة ـ نفس المصدر السابق "
 
يقول نابليون : " تسألني عن أعظم ما في هذه الدنيا .. أنه أنتصار القلم على السيف وعجز القوة عن أن تنظم شيئاً . وإذا حدث أن أنتصر السيف على القلم فلا يلبث القلم أن يهزم السيف" . وقد أنتصرت ثورة يوليو على العنف " الأخواني " ، وسوف ينتصر الفكر الثوري العقلاني على الفكر الفوضوي الأستبدادي العالمي ، كما تقرر ذلك في نفوسنا ملامحه ويؤيده الهرج الذي يمارسه المتورطين بالتعاون مع هذا الفكر حتى وإن تصور البعض أن النصر تخلقه القوة والعنف ، ففي مجال المواجهة النهائية بين المدرستين والفكرين الأن ، لا أعتقد أن هناك عاملاً أهم من العامل النفسي ، والعامل النفسي الذي أعنيه ، هو العامل النفسي الطبيعي ، وليس العامل النفسي "المفتعل" ، وهو ناتج طبيعي عن قناعة وأيمان .. متأثر بالجغرافية والتأريخ والعقيدة والدين والثقافة ، ولأنه متواصل فأنه يتواصل لتحقيق الأية الكريمة      "الأرض يرثها عبادي الصالحون " .
 
وبعكس من يتصور أن هناك تعارضاً بين العدالة الأجتماعية والديمقراطية السياسية ، فإن موروثنا السياسي من تجربتنا الناصرية ،بأعتبارها أستمرار للحركة الثورية التي بدأت نواتها منذ أكثر من الفاً وخمسمائة عام ، يفثرض أفتراضات واقعية وعقلية ، فالعدالة الأجتماعية والديمقراطية السياسية خناحين لطائر واحد لن يتمكن من الطيران بأحدهما دون الأخر على الأطلاق .
 
لقد كان الهجوم عنيفاً ضد قوى الثورة ، قوى العقل ، بدأ بالعصيان والقتل وأنتهى بالتكفير والزندقة لكل من تمنطق بالحرية ورجحانية العقل . وقد قال أبو الفتح محمد بن عبد الكريم أحمد الشهرستاني في كتابه " الملل والنحل " في هجومه على المعتزلة " حكموا العقل على من لايحكم عليه العقل " والفكر الجبري .. الوضعي .. الرضوخي لازال مستمراً ومهيمناً على أكثر فقرات التأريخ ، وهو الأن يعيث في ألأرضِ فساداً .
 
 
 
يتبع ( ثالثاً ) دروس الواقع والتجربة الناصرية
 
 
 
          بغداد العروبة 1 تموز يوليو 2007
 
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : دراسات | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر