قطع اعناق وقطع ارزاق حسين الربيعي

كتبهاالتيار العربي ، في 24 تشرين الأول 2008 الساعة: 09:16 ص

 

                              

 

مرحباً ياعراق

حسين الربيعي

                               العقاب المزدوج للشعب العراقي

                                   قطع أعناق وقطع أرزاق

في غمرة الحدث السياسي الساخن في العراق ، وفي المقدمة ، ما تطالب به الإدارة الأمريكية ، من ثمن لما تسميه عملية التغيير التي قادتها لغزو العراق وأحتلاله عسكرياً ، ومن ثم تمكين أصدقائها وحلفائها الهيمنة على ما تسميه العملية السياسية التي تقصد بها السلطة . وهي إذ تطالب بالثمن ، فإنها تطلبه من حلفائها حصرياً .. لأنها تعلم إن الشعب العراقي كان أكثر المتضررين من الأحتلال ومن عملية التغيير ( مع أنه من أشد المطالبين بالتغيير ، ولكن بطريقة وطنية ) ، حيث جعلته في مواقف أكثر خطورة ً وأكثر سوءاً ، إذ لم يتغير الأستبداد إلا بالأسم والحجم ؟ فقد توسع حجمه وجغرافيته وأمكانياته .. فأصبح أستبداداً دولياً واقليمياً .. ومحلياً أيضاً . هذا أولاً أما ثانياً .. فإن شعوب البلدان المحتلة ، هي النقيض المباشر للغزاة وأعوانهم ، وليس شعبنا أستثناء عن القاعدة .

ولكن الثمن الذي تريده أمريكا باهضاً ، ما جعل الطرف العراقي المطلوب منه التوقيع على الأتفاقية أن يتمهل كثيراً ، ذلك لسعة جهاد العراقيين في الأعوام السود خلال خمس سنين ونيف، وصلابة مقاومتهم حتى أن هذا الجهاد وتلك المقاومة أذهلت العدو قبل الصديق ، ما جعل وزيرة خارجية الأرعن بوش تقر بذلك من خلال قولها عما أسمته (طريقنا في العراق) الذي أختارته إدارة سيدها بوش أنه ( من أشق واطول وأصعب مما تخيلته هي شخصياً ) .

ومع حقائق الملحمة الجهادية العراقية هذه والتي بدأت تؤتي آكلها .. إذ تهافت ( الأحتقان ) الطائفي الذي راهنت عليه ( قوى التغيير والأحتلال ـ أو بالأصح الأحتلال وقوى التغيير بالأحتلال ) .. وقوبلت مشاريع الأنفصال والتجزئة بالرفض والتحدي والمواجهة ، مما أدى إلى تحجيم القوى الشوفينية والطائفية وأسقط من أياديها سبل تحقيق أجندتها ، او إعاقتها على أقل تقدير ، وعادت إلى نحور الشعوبية دعواتها ضد عروبة العراق وهويته ، فكان أن أنتفض للعروبة أبناء الطوائف والعشائر والمناطق التي راهن عليها الشعوبين والعملاء وغيرهم من أدوات الأحتلال . لقد بدأ التردد لدى العديد من اللاهثين خلف الأحتلال ، من تمرير الأتفاقية ، وتباطئت خطواتهم نحوها قليلاً .. قليلا .

الثمن الذي تطلبه الولايات المتحدة باهض جداً .. لو اخذنا الوضع القومي الشعبي في المعيار ، لأنه هذه المرة أكثر يقظة ، وأكثر تماسكاً وألتزاماً وتفهماً للوضع العراقي ، بل وأكثر دعماً له . والوضع القومي الشعبي الأن ، أقوى بكثير من وضعه قبل الأن ، بما حققته المقاومة العربية في لبنان من أنتصارات عسكرية على الارض ضد الغزو الصهيوني ، وانجزته سياسياً القوى القومية بمختلف أسمائها وأنتماءاتها ( العروبية والأسلامية واليسارية) ، وكانت الدوحة شاهد عيان لهذا الأنجاز العظيم .

وكان ما حققته المقاومة الفلسطينية من رباطٍ وصمود ضد عمليات الأنتقام والجرائم التي تنفذها القوات الصهيونية ، وضد كل انواع الحصارات الأسرائيلية والغربية والأمريكية .. والعربية !! ، ومع مهزلة الصراع بين فتح وحماس ، لم يفرط الشعب الفلسطيني بثوابته ، بل أن أمتدادات المقاومة الباسلة وصلت لأهلنا في الأرض المحتلة عام 1948 ( مع قلة أدواتهم وضعف أمكانياتهم ) .

وإذا وضعنا في المعيار أيضاً أنتصارات المقاومة في الصومال ، وصمود شعبنا السوداني ضد التهديدات والمؤامرات ، وأنتشار ثقافة المقاومة بين أبناء الأمة .. نستطيع أن نتأكد أن الثمن الذي تريده أمريكا من حلفائها في العراق ، لن تحققه كما تتصور وتريد .

ولو أخذنا في الأعتبار المتغيرات الدولية ، أيقنا ان ما تريده أمريكا من العراق أكثر من باهض ، إذ تخلخلت الأوضاع التي رتبتها أمريكا في القوقاز ووسط أسيا ، بعد ان تحرك الدب الروسي ، وتضافرت معه الصين وأذربيجان وسوريا وفنزويلا والأرجنتين .. وتطلعت أليه شعوب العالم المستضعفة بالترحاب والتهليل والأمل ، وبدأت مشاهد النهاية السوداء للنظام العالمي ذات القطبية الوحيدة تتكاملصورها ، وفتح ذلك الطريق أمام كوريا للتمرد على قرارات فك مفاعلاتها النووية ما لم يتم شطبها من ( قائمة الدول الأرهابية ) ، فأنصاعت الولايات المتحدة على غير عادتها !! ، وتتصاعد أيران في مشاكستها للهيمنة الأمريكية ، وتستخف بالتهديدات العسكرية الصادرة من واشنطن وتل أبيب ، ومن بقية المدن والعواصم الدائرة في الفلك الأمريكي ـ الصهيوني  ، ولايزال هناك قوى مناهضة للهيمنة الأمريكية قريبة من حدودها الجنوبية ، تحاول أن تستثمر كل الأخفاقات الأمريكية في العالم ، خصوصاً تلك التي اصابتها في العراق.

ويبقى الأمر الأكثر أهمية في جعل هذا الثمن غير ممكن التسديد ، ذلك ما يتعرض له الأقتصاد الأمريكي والرأسمالي العالمي المرتبط به من أنهيار حقيقي .. ليس سببه أزمة المساكن كما يعمم البعض ، ولاحتى زيادة نسبة البطالة في الولايات المتحدة التي تتفاقم بسبب تسريح وفصل أعداد كبيرة من العمال والموظفين من المصالح والشركات الأمريكية ( بلغت مائة وخمسة وعشرون ألفاً من العمال والموظفين خلال الأشهر الماضية من السنة ) .. ولم يكن الركود الأقتصادي هو سببه الحقيقي ، ذلك لأن كل تلك الأسباب تحتاج لسبب أو مبرر ، ولذلك فإن النزيف الذي ادى لتراكم تلك الأسباب حتى انفجرت كالبركان في أزمة أفلتت السيطرة عليها دون اللجوء لمفردات وأليات لاتتطابق مع الأسس التي يقوم عليها الأقتصاد الرأسمالي ، هي الحروب الأمريكية ضد البشرية جرياً وراء سراب الأمبراطورية الأمريكية .

لقد كانت الأحلام الشيطانية الفاسدة التي تراود الإدارة المريكية وزعمائها .. وحلفائها أيضاً بقيام الأمبراطورية الأمبريالية الأمريكية ، وماسببته تلك الأحلام من خطوات لتحقيقها في الحروب ( الأستباقية ) التي نفذتها قوات حرب بوش ضد أفغانستان والعراق ، من خسائر في الأموال والمعدات والنفوس ، السبب الحقيقي وراء الأزمة المالية الرأسمالية .

ورغم بشاعة الحرب الأمريكية ضد العراق ، ورغم ما عاناه العراقيين بسبب سياسة قطع الرقاب في حملات قوات الأحتلال وحملات العصابات الأرهابية التي أستقدمها وأستخدمها لتنفيذ أكبر مسلسل أرهابي ، ورغم ضخامة أعداد الضحايا ، والخسائر .. فإن هذه السياسة لم تجني ثمارها ، بل هي زادت من شوكة المقاومة ومن تمسك العراقيين بوحدتهم ، وزادت من طموحاتهم بالحرية والأستقلال ، وأستنهضت هممهم بمعارضة الأحتلال ومشاريعه ، وحصرت في زاوية حادة عملائه ومأجوريه .

ومع أن سياسة قطع الاعناق ، عززت بين الحين والأخر بسياسة قطع الأرزاق ، كان من اهم مظاهرها رفع الدعم عن المواد الأساسية والوقود ، إلا أنه هذه المرة يأخذ تصاعداً أشد وتيرة ً وأكثر قسوة .. توافقاً مع رغبة الإدارة الأمريكية فرض أتفاقية الذل على العراق ، ولهذا جاء قرار وزارة المالية بألغاء قرارها السابق ( الذي نفذ أعتباراً من الأول من نيسان الماضي وبأثر رجعي من الأول من كانون الثاني 2008 ) بزيادة رواتب الموظفين والعمال في أجهزة الدولة ،وقد جاء قرار إلغاء الزيادة المذكورة بناءً على توصية البنك الدولي (المشرف) المهيمن على المال والأقتصاد العراقي بعيد الأحتلال بطريقة ( معاهدة نفاهم ) . والسؤال : هل أن وزارة المالية غفلت عن ربط توصية البنك الدولي المهيمن على الأقتصاد العراقي بمسيرة الظغوط لتمرير الأتفاقية ، وبالصورة التي تريدها أمريكا ..  أم انها ظالعة في الهدف نفسه ؟

وإذا كان البعض لديه اعتراض على هذا السؤال وعلى هذا التحليل ، على اساس ان البنك الدولي مؤسسة مالية وأقتصادية ، وأنه لايتعاطى بالمسائل السياسية ، وان القرار يعد ، بعيداً عن سياسة الضغط الأمريكية ، تعالوا نقرأ بعض تأريخ هذا البنك . يقول جمال عبد الناصر عن تجربة مصر مع البنك الدولي : ( وحينما وصل بلاك وهو مدير البنك الدولي .. وبدأ يتكلم معي في تمويل السد العالي ، قال إننا بنك دولي ولسنا بنكاً سياسياً ، وليس لي شان بأمريكا مطلقاً ، فأنا مستقل أقول الرأي الذي أؤمن به .

وقلت له : كيف يكون مجلس الإدارة ممثلاً لدول ولايكون بنكاً سياسياً ؟ فمجلس الإدارة أغلبه من الدول الغربية السائرة في فلك أمريكا )

وللمزيد من أجل توثيق القرار الأخير في خانته السياسية ، نود ان نبين :

1 ـ أن الزيادة التي تحققت للأجور والرواتب ، أصبحت حقوقاً ثابتة .

2 ـ أدت الزيادة في أرتفاع ألأسعار وتفشي الغلاء ، وإن العودة للرواتب القديمة لايعيد الأسعار لأوضاعها قبل الزيادة .

3 ـ الوقت الحرج الذي نفذ فيه قرار خفض الأجور ، الذي يتلازم مع بداية الموسم الدراسي ، ومطلع فصل الشتاء ، اللذين يضيفان هموم ومستلزمات عديدة يصعب توفيرها في الأوقات العادية .. !! .

4 ـ القرار لم يتعرض لأجور ورواتب موظفي الحكومة من الوزراء والرؤساء وأعضاء البرلمان ، مع جسامة رواتبهم .

5 ـ بما أن الغلاء ، ليس حالة وطنية ، بل هو حالة عالمية ، فإن البلد الوحيد الذي لم تقدم أو تقوم فيه الحكومة بأجراءات للتخفيف من وطئته هو العراق !!

6 ـ الأجراء الأخير جاء متزامناً مع الأزمة الأقتصادية العالمية ، هذه الأزمة التي أجبرت زعيمة العالم الرأسمالي طلب المساعدة من النظام الأقتصادي الاشتراكي ، وأجبرت الأقتصاديين الرضوخ لمبدأ المزاوجة بين الأقتصادين الرأسمالي والأشتراكي ، بعد ان تبين قصر النظر في جوانب متعددة ومهمة في الأقتصاد الراسمالي .. فيما تصر حكومتنا على المضي في سياسة (الأنفتاح) الرأسمالي الحر (مكفرة) أشكال الأقتصاد الأشتراكي   .. من أجل خاطر عيون البنك الدولي !!

السؤال الأخير : هل ستعاد حقوق الموظفين في حال رفضت الأتفاقية ، وهل يكون هذا القرار هو الأخير في سلسلة الظغوط على الشعب العراقي  ؟  

يبقى الجواب الأيجابي مقترناً بقدرة الشعب العراقي على صيانة وحدته وصموده ، وذلك ما لانشك فيه .   

                                           

                               بغداد الصامدة

                          21 تشرين الأول 2008

نشرت في جريدة العربية الصادرة يوم السبت بتاريخ 1/11/2008

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “قطع اعناق وقطع ارزاق حسين الربيعي”

  1. ….الاعداءالدائمون للعرب بالاساس هو الحلف المجوسى الصفوى والصهيونيه الماسونيه وهم شرامريكافى المنطقه



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر